أن تكون مثل العظماء

نهار مزدحم أخر أقضيه في مشاهدة مباراة مصارعة حادة تتنافس فيها أفكاري التي انتهزت فرصة ظهور نتيجة الثانوية العامة لتعبث بما تبقى لدي من أعصاب. " طب ولا أسنان؟ " سؤال ظل صداه يتردد في مخيلتي لفترة تتجاوز الثلاثة أشهر وأنا أحاول أن أفرق بين ما أريده وما أحتاجه، ولم لا يكون ما أريده هو ما أحتاجه؟ ثم ما تعريف الحاجة أصلًا؟ أصابتني هذه الاسئلة بالصداع الذي لم أعهده طوال سنوات تعليمي الأساسي وتمكنت مني إلى أن قررت أن أختار الطريق الصعب – على حد وصف كل الناس – والتحق بكلية الطب.

قضيت أربعة أشهر بالكلية بين محاضرات ومذكرات ومعامل وكتب كثيرة تُشترى وتنتهي دون أن أعي منها شيئًا بالبداية، أضف عندك نوبات من التقلب المزاجي وقليل من الاكتئاب واليأس وتوتر مزمن لم أعهده حتى ليلة اختبار اللغة العربية بالثانوية العامة. ولكن لم تكن الاختبارات أو مادة التشريح هي مسبب القلق والتوتر، وإنما كان صوتًا يتردد بداخلي طول فترة استيقاظي متسائلًا عن الطريق الذي أسلكه في الحياة.

إن دراسة الطب تستلزم صبرًا وتتطلب أولوية الوقت من دارسها، ولكن بالرغم من إدراكي هذه الحقيقة لم أستطع أن أرغم عقلي ألا يفكر إلا بالكلية والاختبارات. كان عقلي منذ ذلك الحين إلى هذه الساعة التي أكتب فيها هذا المقال كطفل صغير خرج من رحم أمه للعالم الكبير ليرى خبرات وتجارب وفرصًا عده يريد أن يجربها كلها بكل حواسه إن لزم الأمر. هذا العقل الطفل سئم من حدود مهده الخشبي وأراد أن يجرب ما وراء السياج، أراد أن يعرف إذا كانت قدماه تقوى على الوقوف أو الحبي، وإذا ما كانت يداه تستطيعان اقتناص الفرص والتمسك بالحياة وإذا ما كانت شفتاه تعرف ابتسامة النجاح. كانت كل هذه المعطيات أكثر مما يستطيع عقلي المسكين تجاهله، ورغم محاولاتي الكثيرة في إقناعه بترك كل شيء جانبًا والتركيز فقط على كتاب التشريح إلا أنني لم أجن من ذلك إلا اكتئابًا متواصلًا وتخيلًا مظلمًا لحياتي بعد ست سنوات من الأن.

لا طريق محدد للسعادة أو النجاح. حياة كل فرد كبصمة إبهامه لا تتطابق مع غيرها وإن تشابهت. محاولتك لخطو خطى الناجحين لا تعني أن تضع قدمك محل أقدامهم، ولكنها تعني أن تستقطب الدروس المهمة وتميزها بعقلك لترى ما يصلح منها لذاتك وما لا يصلح

جلست لأفكر في حل لهذه المعضلة لأجد أنه لا يوجد معضلة من الأساس. كوني طالبة في كلية الطب لا يعني أن انصرف عن تجربة أنواع أخرى من العلوم أراها مهمة لذاتي ومستقبلي وإن لم ترتبط بالطب ارتباطًا مباشرًا. كوني طالبة طب تعطى أولوية لكتب الكمياء الحيوية وعلوم الأنسجة لا يعني أن اهتمامي بالفلسفة أو الفيزياء هو مضيعة للوقت. كوني أهتم بهندسة جسم الإنسان لا يعني انصرافي عن علوم الحاسب والتقنيات. كوني مهتمة بالدوريات الطبية لا يعني عزوفي عن الدواوين الشعرية أو الروايات الأدبية.

ما أدركته في نهاية هذه المرحلة أنه لا طريق محدد للسعادة أو النجاح. حياة كل فرد كبصمة إبهامه لا تتطابق مع غيرها وإن تشابهت. محاولتك لخطو خطى الناجحين لا تعني أن تضع قدمك محل أقدامهم، ولكنها تعني أن تستقطب الدروس المهمة وتميزها بعقلك لترى ما يصلح منها لذاتك وما لا يصلح. أما أن تصل لما وصل إليه غيرك دون وعى بدورك وقدراتك فهو مثل سعي الإبهام أن يكون وسطى، ولو أصبح كذلك لعطب.

إذا كنت على أعتاب كلية الطب ونصحك أحدهم أن لا تفقه شيئًا إلا المذاكرة فدعك منه. إن بالحياة متسع من الوقت لتحقق كل ما يأبى عقلك إلا التمسك به.



حول هذه القصة

أظهرت النتائج الأولية للانتخابات العامة بفرنسا فوز حركة الجمهورية إلى الأمام بزعامة الرئيس إيمانويل ماكرون بأغلبية ساحقة، بينما اعتبر كل من اليمين واليسار الفرنسيين التقليديين هزيمتهما “نهاية مرحلة” في البلاد.

19/6/2017

مع طفليها عمرو وكرام جاءت زوجة الأسير نايف رضوان للاعتصام أمام هيئة شؤون الأسرى في رام الله بالضفة الغربية، ضد تجميد السلطة الفلسطينية مخصصاته منذ بداية يونيو/حزيران الجاري

19/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة