ليلة القدر ودرس الوحدة الإسلاميّة

مدونات - صلاة التراويح
الوحدة شعار من شعارات الإسلام الّتي حثّنا الله عليها، وأمرنا بسلوك الطرق المفضية إلى تحقيقها، ونهانا عن ارتكاب ما يوهن كيانها، ويسهم في تشتيت صفوفها، قال الله تعالى: "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون" (المؤمنون،52)، فمن رحمة الله أن جعلنا أمّة واحدة تجلّت تقاسيمها في ملّة الإسلام الواحدة الّتي تقوم على دعائم ثلاثة: عبادة إله واحد، واتّباع رسول واحد، وتدبّر قرآن واحد.

هذا الكتاب الّذي أعجز أرباب الفصاحة من عرب قريش المتحضّرة وأجلاف الأعراب المتبدّية، الّذين كانوا يعيشون تحت وطأة التّشرذم بفعل نظام القبليّة المبني على العصبيّة المغرضة والإغارة المجحفة، هو من يغذّي وحدة الأمّة الإسلاميّة بتعاليمه السّامية وقيمه الرّاقية، فمع بزوغ فجر الإسلام ومبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم استدار الزمان كهيئته وعرفت الإنسانيّة نقلة نوعيّة لم تُعهد من قبل، كون هذه الرِّسالة ربّانية التّشريع استمدت أسسها من نور الوحيين: الكتاب والسنة، وكونها رسالة عالمية تنشد تحقّق الوحدة بين الأمم المختلفة وفق مبدأ الرّحمة.

ومنذ تنزّل القرآن إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا جملة واحدة -في شهر رمضان الفضيل- بدأت ملامح الأمّة الواحدة تتبلور، وانعتق الخلّص من قبائل العرب والعجم لتجسيد مفهوم الجسد الواحد القائم على بعضه البعض وببعضه البعض، قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" (البقرة،185)، فهو يفرق بين الحقّ والباطل ليميز الخبيث من الطّيّب، وفي نفس الوقت يسهم في جمع قلوب أهل الحقّ على الهدايات الّتي لا تتناهى ألطافها، ويكفل حقوق أهل الذّمّة وعقود أهل الهدنة، "يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا" (النّساء/174،175).

حصول الخلاف والخصومة بين المسلمين لا يكون من ورائه إلّا الشّر ونقصان الدين والجهل ببعض أحكامه ومحق البركات وذهاب القوّة وتكالب الأعداء، لأنّ من مقاصد الشّريعة الإسلاميّة تحقيق وحدة المسلمين.

هذا التنزّل الأوّلي المبارك للقرآن كان في أعظم ليالي السّنة بركة على الأمّة لقوله تعالى:"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين" (الدخان:3)، وقوله: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر" (القدر:1)، ليلة فيها ما فيها من البركات الربّانيّة والنّفحات الإلهية والمقادير السنويّة، هي رحمة سابغة وشاملة وعتق من النيران، وفيها أجر ألف شهر عبادة لمن تحرّاها بصدق وإمعان، وفيها محو للسيّئات السّالفة وتحصيل للغفران لمن قامها باحتساب وإيمان، ولكن لا يكفي لتحصيل بركتها مجرّد التّحرّي حتّى يكون المسلم طاهرا الطّويّة من أمراضٍ كالحقد والحسد والشّحناء وما ينجر عنها من قطيعة وتدابر. 

ومن معين حلقات السيرة الغرّاء حين كان الرّعيل الأوّل من المسلمين حريصين على معرفة حقائق دينهم، يعلّمنا النبي صلّى الله عليه وسلّم درسا في الوحدة وكيف نربّي أنفسنا وألسنتنا على لمّ الشّتات ورأب الصّدع وتوثيق العلاقات واغتنام الفرص، فقد روي عن أنس بن مالك أنّه قَالَ: "أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ"، رواه البخاري في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر..

 وجاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني: "قال القاضي عياض فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير"، فأنت ترى أيّ حرمان تعيشه الأمّة الإسلامية اليوم بسبب تدابر أبنائها وقادتها وتناحرهم وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعلاوة على تفعيل مبدأ الشّورى والتّدبير التّشاركي وتغليب الصالح العام على المركزي الخاص، نرى كلًّا منهم يلهث وراء أغراضٍ وهميّةٍ، ويتخرّص من مسؤولياته الشّرعيّة بناءً على ظنون كاذبة ومصالح تخدم مآرب أعداء الأمّة لا غير.

ومع أنّ إخفاء ليلة القدر-بسبب الخصومة- فيه حكمة ربّانيّة عادت بالخيريّة على الأمّة الإسلامية بلزوم الاجتهاد وكثرة التّحرّي وتطويع النّفس واغتنام الأوقات الفاضلة فإن فيها ذمّ للخصومة والقطيعة بين المسلمين، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري: "وإنما رجا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون ذلك خيرا، لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كلها، أو أوتاره في طلبها، فيكون سببا لشدّة الاجتهاد وكثرته. ولكن بيان اللّيلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزيّة على إبهامها، فرفع ذلك بسبب التّلاحي، فدلّ هذا الحديث على أنّ الذّنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدّين". 

فحصول الخلاف والخصومة بين المسلمين لا يكون من ورائه إلّا الشّر ونقصان الدين والجهل ببعض أحكامه ومحق البركات وذهاب القوّة وتكالب الأعداء، لأنّ من مقاصد الشّريعة الإسلاميّة تحقيق وحدة المسلمين، وذلك مقرّر بالكمّ الهائل والمستفيض للنّصوص الشّرعيّة في هذا الباب، فمنها قول الله تعالى: "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين"(الأنفال:46)، وقال النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ "، وقال: "لَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثٍ".

إذا لم يصدر أمر هذه الدّول عن حنكة أهل المشورة والحكامة والوساطة برأي يضمّ اللّفق إلى اللّفق ويزيد في إحكام الرّتق فستشهد المنطقة تكتّلات إقليميّة أو طائفيّة أو إثنيّة، وستعمّق الشّرخ بين بني العروبة والإسلام.

إنّ الّذي تشهده ساحة الإسلام من خلاف وتصعيد ينمّ عن تعصّب مقيت وانتصار للذّات وبعد عن الحوار العقلاني ، فتعمّد بعض الدّول ممارسة القطيعة مع سبق الإصرار وترصّد الدّوائر بدول أخرى شقيقة لها ممّا يندى له جبين الأمّة، ويكسر ظهرها المتعب أصلا، ويغري بها العدو أكثر ممّا مضى. وإن كانت هذه الدّول تفتخر بسياساتها الرّامية للقضاء على الإرهاب زعما، وتتداعى بسعودة وأمرتة وبحرنة ومصرتة حلفها الجائر، وتفرض العقوبات على المتعاطف مع المظلوم(قطر والإخوان) والمهضوم(غزّة وحماس)، فنقول لهم: 

ليس هناك أفضل من فعلي الهجرة والنّصرة اللّذين أثنى الله على أهلهما من الصّحابة في القرآن، ومع ذلك لمّا تداعى وتنادى بهما بعض الصّحب في إحدى الغزوات فقال الأنصاريّ: "ياللأنصار" وقال المهاجريّ: "ياللمهاجرين" غضب النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- من ذلك وعدّه من دعوى أهل الجاهليّة القائمة على العصبيّة القبليّة، ثمّ قَالَ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ" وفي رواية: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"، فهلّا تركتم دعواكم الباطلة وهلّا كففتم شرّكم عن إخوانكم في هذا الشّهر الفاضل، وإلّا فمن أين ستحلّ عليكم بركاته، "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم. أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"، (محمد/22،23،24). 

وعلى الغالب لن يزيد الأمّة هذا التّقاطع إلّا ترهّلا واهتراءً، وإذا لم يصدر أمر هذه الدّول عن حنكة أهل المشورة والحكامة والوساطة برأي يضمّ اللّفق إلى اللّفق ويزيد في إحكام الرّتق فستشهد المنطقة -بعد مئة سنة من تقسيم سايسبيكو على أساس دولي- تكتّلات إقليميّة أو طائفيّة أو إثنيّة، وستعمّق الشّرخ بين بني العروبة والإسلام، وتزرع فيهم ثقافة الوهن الّتي تجسّد غثائية أشلاء الأمّة الممزّعة، وبالتّالي مزيداً من تكالب الأمم المتداعية، الّتي تطمع أن تجد في جسد الأمّة جناحاً مكسورا، أو رجلا مبتورة لتظفر بمقصدها الخبيث، فماذا بعد تدمير شامنا المبارك وعراقنا العريق ويمننا السّعيد؟