الفارسية ومكانتها في التاريخ العثماني

A Kashmiri worker, Ghulam Rasool, writes a Persian couplet on a gravestone at Kashmir's biggest graveyard in downtown Srinagar November 26, 2007. REUTERS/Fayaz Kabli (INDIAN-ADMINISTERED KASHMIR)
من يهتم باللغات ويحب تعلمها لابد أن يأخذ قسطًا للتعرف على اللغة الفارسية، فهذه اللغة بتعبيراتها الجميلة ودلالات كلماتها المميزة كانت ولابد أن تمثل اللغة الثانية للحضارة الإسلامية على مر قرونها المديدة، فالعربية تأثرت بكلماتها واقتبست منها والعثمانية استعارت منها آلاف الكلمات وصل عددها إلى 4400 كلمة أحصاها "شمس الدين سامي" في مطلع القرن العشرين ضمن قاموسه "القاموس التركي".

هذه اللغة التي عبّر بها "حافظ" عن أشعاره الخالدة، وأوضح "سعدي" عبر كلماتها عن ما كنّ في صدره وامتزج بروحه بمتواليات شعرية احتفظ بها الدهر لنفسه، هذه اللغة التي مثّلت لغة الدولة في بلاط السلاجقة ولغة الأدب في البلاط العثماني حتى نهاية القرن السادس عشر، هي لغة تستحق أن نصرف فيها وقتًا من أعمارنا لمن يميل إلى معرفة ركن من أركان الجمال في الحضارة الإسلامية.

ولقد غلب على سلاطين آل عثمان النزعة الشعرية، فكثيرًا منهم قرض الشعر بالعربية والعثمانية بالإضافة إلى الفارسية فنجد السلطان "محمد الفاتح" عارفًا ومجيدًا للغة الفارسية، ونجد حفيده السلطان "سليم الأول" متقنًا للغة الفارسية وتاركًا لنا بها ديوان شعري اشتمل على ألفي بيت، كما نجد لابنه السلطان "سليمان القانوني" حظًا من الأشعار الفارسية في ديوانه الشعري المتخلص بديوان "محبي".

إن اللغة الفارسية شكلت رافدا أساسيا من روافد العلم والثقافة العثمانيين، وأن تأثيرها هذا يتطلب من المهتمين بالتاريخ العثماني التركيز على معرفتها.

وللغة الفارسية موقعًا هامًا في التاريخ الأدبي والعلمي للدولة العثمانية، فهي لغة أو لسان من "الألسن الثلاثة" التي شكلت هوية رجل الدولة العثماني، وهي لغة رئيسية كذلك في تَشكُّل وتطور اللغة العثمانية التي هي اللغة الرسمية للدولة العثمانية، كما أثرت بشكل كبير في الأدب العثماني وشكله وطريقة كتابته في أول ثلاثة قرون من عهد الدولة، كما أثرت في شكل الكتابة التاريخية لكتب التواريخ العثمانية سواء ما كُتب منها بالتركية العثمانية أو الفارسية نفسها.

ومما ساعد الناس على تطور الحركة الأدبية في الدولة العثمانية انتشار المنتديات الأدبية والمقاهي وما تناولته من أشعار كانت غالبًا ما تعالج مواضيع مقتبسة عن الأدبين العربي والفارسي، مع الأخذ في الحسبان أن تأثير الشعر الفارسي كان عظيمًا بسبب حركة الترجمة التي نشطت في القرن السادس عشر، وما نقلته من عيون الأدب الفارسي إلى العثمانية، والذي أضرب مثالين عنهم بداية بـ "مصلح الدين بن شعبان سروري" الذي نقل إلى العثمانية ديوان "مثنوي" لمولانا جلال الدين الرومي الذي كُتب بالفارسية وأصبح محل إجلال واحترام عالِ جدًا لدى متصوفة المولوية العثمانيين.

نجد كذلك "صفي الدين بن مصطفى الرومي" الذي نقل إلى العثمانية عدة ملاحم شعرية فارسية، أضف على من سبق الشاعر "باقي" الذي يعتبر شعره بحق نموذج الشعر الغنائي العثماني في القرن السادس عشر الميلادي، هذا الشاعر الذي تأثر بـ "مير علي شير" الإيراني ليقف بجانب من اقتفوا آثار نوابغ الشعر الفارسي، إذ علاوة على ما نظمه من شعر ديني وعدد من القصائد في اللغتين العربية والفارسية فإن أهم ما تركه تلك القصائد المتمثلة في غزلياته التركية، ولقد نتج عن هذه الحركة من الترجمة والتأليف الشعري أن غدا الشاعر العثماني يقلد فطاحل الشعر الفارسي ويتلقب بألقابهم أيضًا.

من هذا المنطلق يمكن القول أن الثقافة العثمانية الأدبية بشكل عام استندت أساسًا على الثقافة الفارسية، وما قدمته من أطروحات أخلاقية كانت قد تبلورت عبر العصور، حيث أن تأثير آدابها على الآداب العثمانية تعدى قضية الشكل إلى المضمون وجعل الأديب العثماني يقف مبهورًا أمامها، حتى أنه اتخذ من الشخصيات الإيرانية مثالًا يحتذى لما اتصف به الأديب الإيراني من ذوق عال وطباع رقيقة، فقد انعكس هذا على الأديب العثماني الذي عكسه على مجتمعه بطبيعة الحال.

أما من ناحية كتب التواريخ العثمانية التي كُتبت بالفارسية فنجدها تُشكل مجموعة هامة (رغم قلة عددها) تتناول التاريخ العثماني في مرحلة تكوين الدولة منذ القرن الرابع عشر حتى نهاية القرن السادس عشر، فكانت الأعمال التاريخية التي تُكتب بالفارسية وتُقدم إلى الصدر الأعظم أو السلطان تعلو إلى القيمة التي توصل صاحبها للحصول على مكانة أو وظيفة هامة في الدولة مثل المؤرخ "شكر الله بن الشهاب" الذي وضع عمل بعنوان "بهجة التواريخ"، وهو عمل تاريخي عام منذ بدأ الخليقة وصولًا إلى سلاطين آل عثمان في القرن الخامس عشر.

مما ساعد الناس على تطور الحركة الأدبية في الدولة العثمانية انتشار المنتديات الأدبية والمقاهي، وما تناولته من أشعار كانت غالبًا ما تعالج مواضيع مقتبسة عن الأدبين العربي والفارسي.

كما كُتب أكثر من كتاب فارسي هام لتسجيل الحروب العثمانية والتي كان أصحابهم من أصل إيراني يعملون في خدمة الدولة، مثل كتاب "هشت بهشت" لإدريس البدليسي (وهي شخصية هامة من شخصيات القرن السادس عشر) وكتاب "سليم نامه" للمؤلف نفسه الذي تناول فتح السلطان سليم "لتبريز" عاصمة الصفويين وكيفية استقبال أهل السنة له ونظرتهم إليه على أنه الفاتح المخلص لهم من ظلم الشيعة المتعصبين الذين يمارسون ضدهم قتل جماعي ما زال أثره ماثلًا في التوزيع الديموغرافي لسكان إيران من أهل السنة.

نجد من ضمن من قاموا بوضع أعمال تاريخية فارسية المؤرخ الإيراني "علي أكبر خطائى" الذي سافر في رحلة إلى الصين في القرن السادس عشر، ووضع فيها كتابًا هامًا عن أوضاع الصين بناء على مشاهداته بعنوان "خطاى‌ نامه" قدمه للسلطان "سليم الأول" آملا منه أن يتقدم إلى هذه البلاد ويقوم بفتحها.

نخلص من هذه النُبذة السابقة أن اللغة الفارسية شكلت رافدا أساسي من روافد العلم والثقافة العثمانيين، وأن تأثيرها هذا يتطلب من المهتمين بالتاريخ العثماني التركيز على معرفتها وتعلمها إن أمكن، فالإرث المكتوب بها مما يرتبط بالتاريخ العثماني إرث كبير.