القرآن وطبيعة التأثير المستمر

blogs- القرآن

إن إحدى أهم خصائص النص القرآني أنه نص حي متفاعل، ينبض بالحياة ويبعث الروح في كل نص يقتبس منه ويستمد منه الحياة، هذا القرآن الذي يُقرَأُ على سبعة أحرف، ويُتلى في كل بقاع الأرض بألف لسان وألف نغم، وألف نبرة، وهُو هوَّ لا يتغير و لا يتبدّل، قويٌّ في تأثيره، بديع في شكله وأسلوبه، مُعجز في جماله وبلاغته وبيانه ومعانيه.

 

هذا القرآن الذي يهزُّ قلوب الملايين منذ مئات السنين، وتسيل له دموع القانتين والخاشعين، على تعدد أعراقهم وألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم، حتى وإن كان بعضهم لا يفهم من العربية كلمة ولا ينطق منها جملة!

 

إن سورة فاطر التي أثَّرت فيَ الليلة البارحة حين تلاها الإمام بصوت عَذْبٍ شَجِيٍّ، هي نفسها سورة فاطر التي سمعتها مئات المرات في التراويح، وفي الصلوات والخطب وتلاوات القرآن، منذ أن كتبتها في لوحي وأنا في طفولتي، وقرأتها مرارا وتكرارا حتى استظهرتها! ولكنها مازالت تفعل فعلها، بمعنًى متجدد ولفظ قويٍّ، وإعجاز مستمر لا يفنى و لا يبلى.

 

هي آيات تفرض على المتأمل فيها إيمانا بإبداع الخالق، واعترافا بجميل صنعه، وعظيم قدرته، وسعة رحمته وشمول نظامه، و إتقانه ودقة تسييره، إنها طبيعة هذا القرآن الحي المعجز، يملؤ الشعور ويدهش العقل ويجول بالفكر، فيما هو قريب منه، ومحيط به

إنها طبيعة هذا القرآن العظيم، تسمع المقطع منه فيأخذ بمَجَامِع قلبك كأنك لم تسمعه قط، يخاطبك كأنه نزل للتو، يريك الجنة والنار، كما لو أنك واقف بينهما، ويكشف لك تاريخ السابقين وسنة الله في الأولين والآخرين، ويفتح عينيك على أرْحَبِ أفقٍ و أوسع مدى، فينقلك من ضيق همومك الخاصة و اهتماماتك الصغيرة إلى سَعَةِ الأبد وهَمِّ العالم العلوي، ومن معاركك الهامشية إلى المعركة الأزلية بين الحق والباطل، ومن طموحاتك الصغيرة في المناصب والمكاسب، إلى منازل المقربين وأصحاب اليمين، والمفاضلة بين الجنتان عن اليمين وعن الشمال، والعينان اللتان تجريان والعينان النضاختان والجنتان المدهامتان…(فإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا..).

 

يُذَكِّرُكَ بالكائنات من حولك فإذا أنت في كَوْنٍ من خلق جديد، فتخرج من تدبرك والسماء فوقك غير السماء التي كانت قبل لحظات والأرض غير الأرض، والليل غير الليل الذي اعتدت عليه كتلة من الظلام تأتي وتنقشع بل آية من آيات والنهار غير النهار والمطر غير المطر.

 

إن تقليب الليل والنهار وإرسال الرياح وإنزال الأمطار وإحياء الأرض بعد موتها مشاهد مألوفة وحوادث معروفة ومعتادة في حياة الناس، وفي فصول السنة وشهورها وأيامها ولكنها في القرآن آيات لأولي الألباب ولقوم يؤمنون و يعقلون ويتفكرون!

 

فهي آيات تفرض على المتأمل فيها إيمانا بإبداع الخالق، واعترافا بجميل صنعه، وعظيم قدرته، وسعة رحمته وشمول نظامه، و إتقانه ودقة تسييره، إنها طبيعة هذا القرآن الحي المعجز، يملؤ الشعور  ويدهش العقل ويجول بالفكر، فيما هو قريب منه، ومحيط به..فيري قارءه ملكوت السماوات والأرض، وخصائص الأشياء، وسنن الله في الحياة، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود. كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب.

 

وهذا المعنى هو ما يعبر عنه سيد قطب بتعبيره الرائع حين يقول: " إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة، قضايا كونية كبرى؛ يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود؛ وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود. كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس. يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها؛ ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها!".

 

يمَلُّ الشعراء من إنتاجهم فيُجدِّدُون، ويمَلُّ الفنانون فيغيرون، أما المؤلفون ففي كل عام لهم طبعة ‘جديدة منقحة و مزيدة’، وأما القرآن فهو على حاله كامل ليس به نقص، محفوظ فلا يحرَّف، ثابت لكنه يحرك القلوب والعقول والأمم والشعوب، أصفى من الزلال، وأوضح من النور، وأبهى من الصبح، وأروع من الروعة وأجمل من الجمال، فتبارك الله رب العالمين