فصل في مدح القضاء والقضاة

blogs- القانون

يفرض القانون المصري عليّ ألا أعارض حكمًا قضائيًا بالنقد أو الاعتراض، عدا المشاكلة القانونية المسموحة. وإذا ما تم الاعتراض أمام محكمة النقض وثبت الحكم فإن المعارضة بالقول والفعل في هذه الحالة تكون مُجَرَّمَة يعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة.

 

ولأني مواطن (صالح) لا يستطيع دفع ما يجيش في صدره من تعليق على حكم قضائي، وأخاف من الوقوع تحت طائلة القانون وأرغب ألا أغضب السادة الذين يحكمون البلاد من منصة القضاء، حاولت أن أكون إيجابيًا فنظرت في التاريخ واستللت منه فصلًا، أقدمه للسادة كعربون محبة بيني وبينهم، وللأغيار الذين يقطنون البلاد (والأغيار هو تعبير تلمودي عن غير اليهود، أستخدمه لوصف قطاعات الشعب من غير السادة) كتعريفٍ لهم بتراث القضاء المصري الشامخ الذي تصل أحكامه إلى (قدسية) لا يجوز معها التعليق أو الانتقاد.

 

والحقيقة أنني لم آل جهدًا في البحث ولم أضطر للرجوع كثيرًا لكتب التاريخ أو مواقع البحث، إذ أني أحفظ من التاريخ مذ كنت في الصغر حوادث عام 1906 والتي لا يمكن نسيانها في تاريخ مصر.

 

يومها أصيب جندي انجليزي بضربة شمس ومات، فما كان من الإدارة الإنجليزية يومها إلا أن عاقبت الفلاحين فانعقدت محكمة نظامية يرأسها وزير الحقانية آنذاك بطرس غالي (الجد) وبعضوية هيئة المحكمة القاضي المصري أحمد فتحي زغلول، وممثل ادعاء مصري يحمل اسمًا عربيًا كذلك.

 

هذه المحكمة المصرية نحرت إرضاءً للمحتل الأجنبي 4 مواطنين مصريين، وثبتت التهمة على 32 من أصل بضع وخمسين تم تقديمهم للمحاكمة!

 

يومها وقف ممثل الادعاء يخطب كما حفظت لنا كتب التاريخ قائلًا "هؤلاء السفلة وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعُصي والنبابيت، وأساءوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنجليز بيننا خمسة وعشرون عاما ونحن معهم في إخلاص واستقامة"!

 

بالطبع قابل الزعيم الوطني مصطفى كامل -رحمه الله-  هذه الأحكام بالتنديد ولا أدري هل كان الاعتراض على أحكام القضاء يومها مُجَرَّمًا أم لا، لكن كما تعلمون فأنا لا أهدف -لا سمح الله- للتنديد بحكمٍ قضائي أو الاعتراض على هيئة النقض (المقدسة)، إنما أنا أذكر التاريخ، أذكر وقائع التاريخ فقط دون رتوش أو تجميل.

 

هذه الوقائع تثبت أن القضاة (قد) يُستخدمون، وأنهم (قد) يصدرون أحكامًا مغلظة إرضاءً للسلطة السياسية، وأن (بعضهم) قد يقتل الأبرياء بأحكامه. نحن نعلم اليوم أن الفلاحين في دنشواي كانوا أبرياء كما نعلم تمامًا أن من حرض المحكمة (المصرية) على إعدامهم كان (مدعيًا) مصريًا باسم عربي غير أعجمي.

 

أذكر هذه الفصول لأذكر الجميع أن الحكم النهائي الذي صدر على مجموعة من الشباب الغض بالإعدام لا يمكن تصوره خارج هذه السياقات التاريخية، سياقات التسييس والعقاب الموجه، المغلف بخاتم القانون وتوقيع القضاء.

 

نحن نعلم التاريخ جيدًا، تاريخ الأجهزة الأمنية التي تولت التحقيق معهم، كما تاريخ السادة الذي باشروا الحكم. وهو في الحقيقة تاريخٌ مشرف جدًا كما تعلمون.

ربما يستطيع القضاة بقوانينهم أن يلجموا ألسنتنا عن الاعتراض لكنهم لن يمنعوا التاريخ أن يكتب، وإذا منعوا كتابته فإننا سننقله لأبنائنا جيلًا بعد جيل وسنُعلمهم أن هذه القوانين لا تساوي الحبر الذي كُتبت عليه وأن هؤلاء القضاة ليسوا معصومين وليست قوانينهم ولا إجراءاتهم معصومة، بل هي مثل كل شيءٍ في عالمنا، يمكن تسييسها والعبث بها.

 

سينشأُ حينئذٍ جيل، لا تفلح معه كل هذه الهالة الضخمة عن (السلطة العَلِيّة التي لا يجوز الاعتراض عليها)، وسيعترضون وسينتقدون، بل وسيبالغون في النقد، حتى تصبح هذه السلطة كما قوانينها كما أصحابها، مجرد ديكور مخيف مثل ديكورات متاحف الرعب والشمع التي نعلم جميعًا أنها غير حقيقية.

 

وقد يقول قائل: هل أنتم متأكدون تمامًا من براءة هؤلاء مما نسب إليهم؟ وأجيبه أننا متأكدون على الأقل من أنهم لم يلقوا أي شكل من أشكال المحاكمات العادلة. نعلم يقينًا أنهم عُذّبوا وأُجبروا على الاعتراف بما لم يقوموا به.

 

وفوق كل هذا نحن نعلم التاريخ جيدًا، تاريخ الأجهزة الأمنية التي تولت التحقيق معهم، كما تاريخ السادة الذي باشروا الحكم. وهو في الحقيقة تاريخٌ مشرف جدًا كما تعلمون.

 

بقيت كلمة لمؤيدي الحكم، الذين يأبى بعضهم إلا أن يبوؤا بإثم ذلك كله ولو لم يباشروه. إن كنتم تظنون أن هذه الأحكام بعيدةٌ عنكم فأنتم لم تتعظوا من أي من وقائع التاريخ. طالما ظللتم أغيارًا فإن يد هذه الأحكام سوف تطالكم يومًا ما.

 

ولعل الله لا يقبضنا حتى نرى في الظالمين يومًا مشهودًا.