شعار قسم مدونات

نزل القرآنُ فأحيا الإنسانَ وبنى الحضارةَ

blogs قرآن

يأتي علينا النّصف الثاني من رمضان وقد بلغ الألم مداه، وسرى الشّكّ إلى نفوسٍ لطالما تغنّت بمجدٍ تستشرفه على الأبواب، واستنْسَر البُغاث حتّى بِتْنا نسمع في أرض العرب والمسلمين من يدعو بجرأة إلى نبذ القرآن وراء ظهورنا لأنّه أحد أسباب أزمتنا، ويتلوّن وجهُه حين يسمع عن أي فعالية تعتني بتحفيظ القرآن لأبنائنا… وما كانت مثلُ هذه الدّعوات لتُغيّر شيئا من موقع القرآن في أرضنا ونفوسنا، وما كانت صيحات الجهل لتُثنينا وتُثني الواعين من بني البشر عن الاحتفاء بهذا الكتاب باعتباره خطابا إلهيا ساميًا صنع التّاريخ ومازال يصنع، وأحيا الإنسان ومازال يحييه، وبنى حضارةً استثنائيّةً وهو قادر على الاستمرار في المشاركة في بناء حضارة الإنسان كلّما وجد القلوب الواعية والعقول المتحفّزة للمعرفة والهمم العالية…

لقد وضع القرآنُ الإنسانَ في قلب الكون والحياة، فكان بحقٍّ حاملَ لواء "إنسانية الإنسان": يكرّمه ويستخلفه ويحاوره ويُعاتبه ويلتمس له العذر ويغفر له… "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" (البقرة: 30)…  "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء: 70)… ويأخذ هذا المعنى موقعًا خاصّا في زمن أصبحت نماذجُ التّفكير فيه تفتَخر بأنّها قتلت الإنسان: قيمَه وثوابتَه ومطلقاتِه… 

وهو الذي وضع الأمّة العربيّة والإسلامية في قلب العالم والتّاريخ، بعد أن أتى عليها زمان لم تكن شيئًا مذكورا.. ومن غريب الأمر في هذه المكانة الاستثنائية للأمّة أنّها جعلتها تفعل في العالم في كلّ أحوالها: في حال تقدّمها ونهضتها، وحتّى في حالة تخلّفها وضعفها… ويكفي أن تنظر في خارطة الأحداث الرّاهنة، لترى الأمّة العربية تفعل في الكون وهي "نازفة"، رقما صعبا يؤرّق الطّامعين في فلسطين وفي كلّ مكان عبر العالم.. فماذا لو استجابت لنداء ربّها فـ"توحّدت" و"أعدّت" و"عملت"…

إذا ما أخذتَ القرآنَ بجدية، فإنّه لا يمكنك قراءته ببساطة، فإمّا أن تكون لتوّك قد استسلمت له، أو أنّك ستقاومه، فهو يحمل عليك وكأنّ له حقوقًا عليك بشكل مباشر وشخصي، وهو يجادلك وينتقدك ويخجلك ويتحدّاك، وهو الذي يرسم خطوط المعركة

"لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (الأنبياء: 10)، أي رِفعتكم وشَرفكم… "فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ" (الزخرف: 43، 44). هذان مستويان للقضية التي ستناول في هذه التّدوينة: القرآن وهو يُحيي الإنسانَ ويُحاوره…  ثمّ القرآن وهو يُغيّر الأمّة ويبني الحضارة…

يحدّثنا أستاذ الرياضيات بالجامعة الأمريكية الدّكتور جيفري لانغ عن بعض ملامح تجربته الغريبة مع القرآن فيقول: "وفي الأيّام التي تلت إسلامي حاولت أن أحضر كل صلاة جماعة في المسجد، ولكنّي كنت أواظب بشكل خاصّ على صلاة الفجر والمغرب والعشاء، لأنّه يُجهر بقراءة القرآن خلال هذه الصلوات… وحضوري في هذه الصّلوات الثلاث خاصّة لفت انتباه أحد المصلّين فسألني ذات مرّة: لماذا تُجهد نفسك بالمجيء لهذه الصلوات وأنت لا تفهم العربيّة؟ لم أفكّر في هذه المسألة من قبل، ولكنّي أجبته على نحو فطري: لماذا يسكن الطّفل الرّضيع ويرتاح لصوت أمّه على الرّغم من أنّه لا يفهم كلمات أمّه؟ إنّه الصّوت الذي عرفه الطّفل منذ الماضي البعيد، وذلك الصّوت الذي كان يعرف طفله دوما".(1)

 

إنّه القرآن بما ينطوي عليه من معرفة عميقة بالإنسان في كلّ أبعاده، وقدرة عجيبة على الفعل في نفسه: مؤمنا كان أو غير مؤمن.. يحدّثنا العالم نفسه عن هذه القوة في موطن آخر وهو يصوّر محاوراته الأولى للقرآن حين اطّلع عليه لأوّل مرّة فيقول: "وإذا ما أخذتَ القرآنَ بجدية، فإنّه لا يمكنك قراءته ببساطة، فإمّا أن تكون لتوّك قد استسلمت له، أو أنّك ستقاومه، فهو يحمل عليك وكأنّ له حقوقًا عليك بشكل مباشر وشخصي، وهو يجادلك وينتقدك ويخجلك ويتحدّاك، وهو الذي يرسم خطوط المعركة.

ولقد كنت على الطّرف الآخر في المواجهة، ولم أكن في وضع أُحسد عليه، إذ بدا واضحًا أنّ مبدع هذا القرآن كان يعرفني أكثر ممّا كنت أعرف نفسي. إنّ الفنّان يستطيع أن يجعل العين في أي لوحة يرسمها تبدو وكأنّها تنظر إليك حيثما كنت منها، ولكن أيّ مؤلّف يستطيع أن يكتب كتابا مقدّسا يستطيع أن يتوقّع حركاتك وسكناتك اليومية؟ لقد كان القرآن يسبقني دومًا في تفكيري.. ويكتب الأسطر المناسبة لحين موعد قراءتي القادمة. لقد قابلتُ نفسي وجْهًا لوجه في صفحات القرآن…" (1).

إنّ القوّة الضمنية للقرآن كانت أحد الأسباب الرئيسة في انتشار الإسلام وفي تمسّك المسلمين بالصراط المستقيم أيضا، طالما أنّ القرآنَ نفسَه هو الذي يُعطي لهذا الدّين خصائصَه

ويعبّر "فريدريك دني" عن هذه التّجربة الرّوحية والنفسية مع القرآن فيقول: "تأتي على الناس الذين يقرؤون القرآن قراءة جهرية أو صامتة حالةٌ يشعرون بحضور شيء غامض قد يثير الرهبة في نفوسهم، وبدلا من قراءة القرآن، فإنّ القارئ يشعر أنّ القرآن هو الذي يقرؤه!

إنّ هذه خبرة تثير المشاعر والعقل بشكل رائع، وليس من الضروريّ أن يكون المرء مُسلما حتّى يشعر بها. إنّ هذه القوّة الضمنية للقرآن كانت أحد الأسباب الرئيسة في انتشار الإسلام وفي تمسّك المسلمين بالصراط المستقيم أيضا، طالما أنّ القرآنَ نفسَه هو الذي يُعطي لهذا الدّين خصائصَه".(2)

تلك بعض تجليات فعل القرآن في "الإنسان الفرد"، يُلخّصها القرآن نفسُه في أكثر من موطن فيقول:
– "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" )الزمر: 23)…
– "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ" (المائدة: 83)…

وعلى أساسها كان يُعاتب المعرضين فيقول:
 "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ" (الحديد: 16)…
 "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ" (الانفطار: 6، 7)…
 "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد: 24)…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- (Jeffery lang: Struggling to surrender: Some Impressions of an American Convert to Islam )

Fredrick Denny: Islam: 88) -2)