ماذا بعد شيطنة الربيع العربي؟

blogs - حرب سوريا
ستون سنة مضت ونيِّف والشعوب العربية صابرة محتسبة، تُحسن الظن بحكوماتها وبمن تولّوا أمورها، ولما طال انتظارها، وخاب ظنها، خرجت مُكرَهةً مُعلِنةً رفضَها استمرارَ الوضعِ المزري، ناظرةً الدولَ غيرَ العربيةِ ترتقي واحدة تلو الأخرى. فضُربت، وخُطفت، وأُهينت، واعتقلت، وشُرِّدت، ,قُتلت… فاضطرت -حفاظا عن النفوس والأعراض- إلى الدفاع المشروع…

لكن الشعوب العربية لم يحالفها الحظ في فرض مطالبها في الجولة الأولى من الربيع العربي. وبدأ معسكر المشككين يكسب نقاطا على حساب المؤيدين. وقد كشفت نتائج المؤشر العربي للعام 2014، الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومقره الدوحة، أن أكثر من 60 بالمئة من الرأي العام العربي ترى أن الربيع العربي يمر بمرحلة تعثر وأنه سيحقق أهدافه في نهاية المطاف.

وقد علل الذين قيموا الثورات بأنها سلبية بالخسائر البشرية الكبيرة، وعدم تحقيق الثورات أهدافها، وحالة الاستقطاب السياسي الحاد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية. ولم تكن نسبة الذين قيموا الثورات بطريقة سلبية انطلاقا من موقف معادٍ للثورات نفسها نسبة ذات بال، إذ إن 5 بالمئة فقط كانت ترى أن الربيع العربي هو مؤامرة خارجية.

استطاعت الدول العميقة توظيف الإعلام والعلماء والمثقفين ورجال الأعمال في حملتها للتشكيك في وطنية الشباب وعدم شرعية الخروج عن الحاكم، وقد كان هذا واضحا في خطب المساجد.

ومع أن هناك انقساما في تقييم الثورات العربية، فإن الرأي العام العربي ما زال متفائلا بالربيع العربي ولديه ثقة بمآله، إذ إن أغلبية الرأي العام 60 بالمئة ترى أن الربيع العربي يمر بمرحلة تعثر، لكنه سيحقق أهدافه في نهاية المطاف، مقابل 17 بالمئة يرون أن الربيع العربي قد انتهى وعادت الأنظمة السابقة إلى الحكم. ويمكن إجمال الأسباب التي حالت دون تحقيق أهداف الربيع العربي في النقط الآتية:

1- ضعف في المعرفة، خصوصا المعرفة السياسية والتاريخية. إن الإنسان الذي يتوفر على المعلومات ويحسن توظيفها بشكل جيد غالبا ما يحصل على نتائج معتبرة.
2- غياب رؤية واضحة للغرب اتجاه الثورات العربية، فجل الدول الغربية فضلت التريث والمراقبة، ولم تُصرح بمواقف واضحة.
3- الثورة العربية أتت بشكل مفاجئ، وأتت بعد تراجع في حقوق الإنسان على المستوى العالمي بسبب اعتماد قوانين محاربة الإرهاب، وقد أحدث هذا ارتباكا كبيرا تجلى بوضوح في ضعف التنسيق بين الشعوب، والسير بخطوات غير محسوبة، وقد كان طابع الارتجالية واضحا للغاية، إقدام يتلوه إحجام، تصعيد يتلوه هدوء حذر.

4- لم تقم الأحزاب بمهماتها، بل منها من كانت مواقفها يكسوها اللبس والغموض، كالتي تضع رجلا هنا والأخرى هناك.
5- ضعف في الاحتضان، وهذا ركن أساس في نجاح جل القضايا. وطبيعي أن تصطف كل الدول العربية ضد الثورات العربية، اللهم إلا إذا استثنينا دولة عربية وحيدة قطر وأخرى غير عربية إنها تركيا.
ومن الأسلحة التي لجأت إليها الدول العميقة لإحباط الثورات العربية شيطنة الربيع العربي. فإلى جانب استعمال القوة المفرطة، وعدم احترام قوانين حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية، وعدم الاكتراث بسلامة المدنيين، وحريات الصحافة، فقد قامت بحملات ضخمة غير مسبوقة خُصصت لها ميزانيات مالية كبيرة لتشويه الربيع العربي ووصمه بالخيانة والعمالة للخارج وتفكيك الدول العربية.

واليوم، وبعد أن قدم النظام السعودي طوق النجاة للرئيس الأمريكي ووقع معه صفقة القرن، وأخذ منه العهد على نصرته جاء إعلان الحرب على قطر.

وقد استطاعت الدول العميقة توظيف الإعلام والعلماء والمثقفين ورجال الأعمال في حملتها للتشكيك في وطنية الشباب وعدم شرعية الخروج عن الحاكم، وقد كان هذا واضحا في خطب المساجد ودروسها وأدعيتها، ولم تسلم حتى خطب عيد الفطر وعيد الأضحى من التحريض على الشباب وترهيبهم. إن الاختلال الواضح في الوسائل التي تملكها الدول العميقة والوسائل التي يمتلكها الشباب كفيل لضمان كسر شوكة الشباب. إذ لا تخلو قناة أو جريدة أو مؤتمر من تخوين الشباب، بل حتى وسائل التواصل الاجتماعي تم اكتساحها من قبل أجهزة أمن الدول حتى أصبحت تعج بالأشرطة والمقالات المفبركة، وكل هذا سيؤثر سلبا على الحاضنة ويبث الرعب في أنفسهم.

الإعلام التركي يحتاج فيه إلى ترجمة، وعليه، فإن اللغة تحُول دون الاهتمام به وتتبعه، وتبقى قنوات قطر وفي مقدمتها قناة الجزيرة وحيدة ملزمة باحترام مواثيق الإعلام فتظل متمسكة بالرأي والرأي الآخر مع تلطيف بسيط اعتبارا لبعض العلاقات الدولية، ومن باب الرأي والرأي الآخر فإن الجزيرة لا تسلم من الأصوات المعارضة للثورات العربية.

ليس لدي إحصاءات دقيقة جديدة تحدد نسبة المؤيدين للربيع العربي والنسبة المعارضين، لكن الشيء المؤكد منه أن الأنظمة استطاعت استمالة الكثير من الشعوب بوسائلها المتنوعة، فأصبح الصراع واضحا بين مكونات الشعوب العربية حتى في الاحتجاجات الاجتماعية المتواضعة، ومع ذلك فإن الاستطلاعات ما زالت ترجح كفة الموالين للربيع العربي. بعد هذه الشيطنة أصبح من السهل على الأنظمة العميقة الاستمرار في تصعيد سياسة القمع والتقتيل والتهجير والتعسف.

مع أن هناك انقساما في تقييم الثورات العربية، فإن الرأي العام العربي ما زال متفائلا بالربيع العربي ولديه ثقة بمآله، إذ إن أغلبية الرأي العام 60 بالمئة ترى أنه سيحقق أهدافه في النهاية.

وما إن استطاعت هذه الأنظمة استعادة زمام الأمور حتى بدأت تخطط للانتقام من حاضنة الربيع العربي. فأحكمت الخناق على رجال الأعمال الذين أبدوا تعاطفا مع الشباب، كما لجأت إلى إعفاء الكثير من المعارضين من مناصب المسؤولية، وغلق المؤسسات التي أسندت الربيع العربي. لم ولن تقف عند هذا الحد، بل عينها على الدولتين اللتين احتضنتا شباب الربيع العربي وبعض مؤطريهم، فكان الانقلاب الفاشل في تركيا المخطط له -كما يقال- في دولة الإمارات العربية مع خبراء أمريكيين. ورغم فشله اضطر دعاته إلى معارضة الإجراءات التي اتخذها النظام التركي لمعاقبة الانقلابيين، فظهر جليا أن التآمر كان واضحا.

واليوم، وبعد أن قدم النظام السعودي طوق النجاة للرئيس الأمريكي ووقع معه صفقة القرن، وأخذ منه العهد على نصرته جاء إعلان الحرب على قطر الدولة العربية الوحيدة التي أنصفت الشعوب العربية في حقها الطلب بالديمقراطية والتشبيب ومحاربة الفساد. ثم الدور على حماس والإخوان المسلمين، ثم على المعارضة بجميع أطيافها، حتى تخلو لهم الساحة، فلا يبقى إلى عبيد يؤمرون فيطيعون…

وهكذا تكون الشعوب العربية قد أسهمت بشكل واضح في فشل الموجة الأولى من موجات الربيع العربي. إن عزيمة الشباب لا تنال منها أسلحة الجبابرة ولا تغريها أمولاهم ولا يرهبها وعيدهم، لكن أن يُطعن من الخلف من قبل جزء من الشعب فهذا مؤسف ومؤثر في مسيرة الشباب. ألم يأْنِ للشباب أن يقول لحاضنته خصوصا دولة قطر وأميرها: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟