شعار قسم مدونات

كم بقي لأمتنا الإسلامية كي تستعيد دورها الريادي؟

blogs عالمية الاسلام

إنّ الحشود والجموع الغفيرة، لم تصنع يوما حضارة، ولا حققت مجدا وانتصارا، ولم تقد الأمة إلا إلى هلاك مُجْهَز.. فلا تعوّلوا عليها ولا تنتظروا منها إلا انكسارات عقب انكسارات. أصحاب الفكرة، وحملة القلم، ومن لطّخت أيديهم بالأسود وأجسادهم بالأحمر، هم فقط من قادوا الأمة إلى انتصارات تتلوها انتصارات.

فلو ترك هؤلاء أنفسهم لأولئك؛ داسوهم بالأقدام، ومروا من فوقهم، كما يفعل الغزاة إذا دخلوا قرية، يفصل أطرافها وديان وأنهار تجري من تحتها أنهار، وأرادوا العبور من ضفة إلى ضفة، حملوا الكتب ونصبوها جسورا، حتى إذا ما رأوا لون الماء تغيّر حبرا، اعتقدوا أنها إشارات ربّانية، لفتوحات حضارية.

كذلك يفعل بنا السفلة، والجهلة، وذوو العقول الكشتبانية، إذا تركنا أنفسنا بين أيديهم ولم نعصم عقولنا من سذاجة تفكيرهم، وقبح مجالسهم؛ ظنوا ألا فرق بين جلود المجلدات التي نحمل أفكارها في أدمغتنا، وبين جلود النعال التي يعجبهم صداها عند سماع وقع أقدامهم.

إننا شعوب عبثية- مع الأسف- تربينا على الصخب والفوضى في جميع مجالات حياتنا، وتعودنا عليها؛ فلا تنتظر منا إلا العبث وإذا أردت يوما أن تحدث التغيير عن طريق أحد أفراد مجتمعاتنا الحالية أو بعض منها؛ عصفت بك إلى منحدراتها ثم لا تقوم لك قائمة

هل يستوي المنفق على بطنه، والمنفق على عقله؟! كلاهما يحلم، لكن هيهات بين حلم الأول والثاني، فأحدهم ينام على تخمة ويستيقظ على كابوس مفزع، وصاحب الفكر يغفو على حلم في الأفق ويصحو على فجر باسم يأمل فيه تحقيق رؤيته، أو يتمنى إعادة حلمه من جديد.

إنَّ حشود مجتمعاتنا اليوم لا يعول عليه في صناعة الإنسان الذي يقيم الحضارة أو يحقق الرسالة الإنسانية الخالدة.. لنا أن ننتظر ثلاثة أو خمسة أجيال أخَر…! إننا شعوب عبثية- مع الأسف- تربينا على الصخب والفوضى في جميع مجالات حياتنا، وتعودنا عليها؛ فلا تنتظر منا إلا العبث وإذا أردت يوما أن تحدث التغيير عن طريق أحد أفراد مجتمعاتنا الحالية أو بعض منها؛ عصفت بك إلى منحدراتها ثم لا تقوم لك قائمة، ولا تجد نفسك إلا قد ركنت إليها، لأننا مجتمعات تغيب عنها التهيئة وتفتقد التأطير.

كبيرنا يلهو ويلعب قبل صغيرنا، خذ من شئت من أفراد مجتمعاتنا الأخيار فستلمس آثار الفوضى الأخلاقية وترى كروموسومات التخلف الاجتماعي وتجد رواسب التراجع الحضاري تتعايش معنا وتدب على الأرض وتتحرك معنا في حياتنا اليومية. كثير ممّن أرادوا إصلاحا أو تغييرا أو إبداعا في مجتمعاتنا؛ اتهموا إمّا بالجنون أو التخلف أو بالكفر والزندقة أو صُنفوا أعداءً للوطن وعملاء العدو تحركهم أياد خارجية.. فماتوا بقهرهم أو طوعتهم عصا الاستبداد والفساد وأغلبهم عصم نفسه فتدارك بعضا من بعض ما بقيَ من عقل سليم في جسد سقيم.

حتى نحن من نزعم أننا من أولي الفكر والثقافة والأداء الرسالي الإنساني؛ مسَّنا طائف من العبث واللهو؛ فتخلينا عن رسالتنا وهدفنا المنشود الذي لأجله خلقنا.. فصرنا إلى ما صاروا إليه. ما أرانا خلقنا لما نحن فيه اﻵن…! إذا أردنا أن نعيد مكانتنا الحضارية ومكاننا الريادي فعلينا أن نتعلم كثيرا ونعمل أكثر، وبهما معا قد نصل متأخرين بقرون، لأننا تخلينا عن رسالتنا زمنا طويلا، فما بالك إذا استمرينا على هذه الوتيرة، في مستقبل عمرنا التاريخي، فهل سنحقق شيئا؟! بمعادلة بسيطة وبلغة الأرقام؛ خذ أزهى فترة من تاريخ أمتنا، ولا أريد أن أرجع إلى عصر الخلافة الإسلامية القريبة من عهد النبوة، بل غير بعيد عنا، إذا اعتبرنا ثمانية قرون تقريبا هو مرحلة شباب أمتنا، منذ 711م، الذي هو تاريخ بداية جغرافية حضارية خصبة، إلى غاية 1492م، وهو تاريخ غياب شمس حضارتنا بالأندلس.

 

ولا أقول السقوط، باعتبار استمرار إشعاع هذه الحضارة ثلاثة قرون تقريبا بعد ذلك بقيادة الدولة العثمانية المسلمة، إلى أن انقلب التحالف الاستدماري على بلداننا واقتسمها بينه، بين استدمار مباشر، وحماية، وانتداب… فلو أخذنا تاريخ 1492م ووضعناه تحت 2017م في عملية طرح مثلا لحصلنا على 525 سنة، وهي سنوات أو فترات التراجع والانحطاط والتقهقر، منها ما هو بإرادتنا لانصرافنا عن مهمَّتنا وتخلينا عن رسالتنا، ومنها ما هو استيطاني استدماري، وكلاهما طبيعي تاريخي تؤول إليه أية حضارة بعد بلوغها القمة إذا خرجت عن سنن الكون وتخلت عن منهج السماء، فعدد سنوات الانحطاط 525 زائد 200 سنة تقريبا، تعطينا ما يقارب عمر الحضارة في الأندلس وحدها، فكم بقي أمامنا لننطق من جديد؟! 

أولى أولوياتنا أن نعيد لأجيالنا المحبطة ثقتها بنفسها، وبتاريخها، كي تعدّل بوصلة حاضرها فتعرف وجهتها، وتتمكن من رؤية مستقبلها فتنطلق في بنائه

تقديري أنه بين 100 إلى 200 عام تقريبا، شريطة أن نأخذ بأسباب التمكين، ونبدأ في الإعداد من الآن، ونسير بخطى سريعة توافق دوران عجلة الحضارة اليوم، وأن نأخذ بعين الاعتبار فوارق الزمان والمكان والمعطيات والأفراد أو الجموع البشرية التي ستكون طرفا في المعادلة الحضارية، أما إذا استمرينا بالوتيرة ذاتها التي نحن عليها الآن، بذات المعطيات، وبالنفسية الجماعية المحبطة، والعقلية الفردية الانطوائية، وبهاجس النقص والشعور بالصَّغار أمام الآخر، وجميعها مخلفات رسخها المستدمر فينا، كي تبقى له اليد الطولى، ويظل مهيمنا علينا، حتى بعد تحررنا منه عسكريا وميدانيا.

 

فأولى أولوياتنا أن نعيد لأجيالنا المحبطة ثقتها بنفسها، وبتاريخها، كي تعدّل بوصلة حاضرها فتعرف وجهتها، وتتمكن من رؤية مستقبلها فتنطلق في بنائه، أما إذا بقينا على ما ظللنا فيه قرونا طويلة واستمرينا عليه الآن؛ فلن أحدثكم إلا عن ألف سنة فما فوق دون مبالغة ولا تثبيط، لكنه منطوق واقع عملي وفقا لنواميس الكون، ولمقتضيات دورة الحضارة. أفلم يأن لنا أن ننطلق ونقول لأنفسنا كفى، حان وقت الجدّ، ونعتصم بـ(اقْرَأْ)، ونأخذ بـ(اعْمَلُوا) اللذان كانا مصدر إلهام أجدادنا، وهم يقطعون شوطا في إقامة الحضارة.