شعار قسم مدونات

كانت لهم مآثر وفضائل

blogs - مكتبة
المشهود اليوم عن العلوم الشرعية ووسائلها من العلوم العربية من جانب المسلمين أنهم تأخروا في هذه العلوم تأخرًا ملحوظًا، وهذا التأخر إما أن يكون على سبيل التبعية لغيرهم، وإما أن يكون في أخذهم ثمرات تلك العلوم دون أن تتوفر لديهم وسائلها، فما سبب هذا التأخر وما سبب التقدم العلمي السابق؟

إن التقدم العلمي السابق للمسلمين كانت له أسباب وعوامل كثيرة لا يمكن ربطها بأمر دون أخر، ولكن كل ما نعرفه أن الملمين كان لهم قصب السبق فيها، لا شك أن من تلك العوامل أمور فقدناها في أيامنا هذه، فقد كان إخلاص الطرفين العالم والمتعلم، كان استغراق الوقت كله فقط في العلم، كانت بساطة الأحوال الاجتماعية والتقلل من العيش تهيأ لهم رغد العلم وتجعلهم يشعرون بحقيقة قيمته، ذلك كان سببا من أسباب حوزهم القدح في تلك العلوم، ولكن هل يصلح أمر الناس على هذا في كل عصر وفي كل مكان؟ لابد من استحضار الحكمة المعروفة: لا تكرهوا أبناءكم على أخلاقكم (أي عاداتكم) فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.

أمور هناك كثيرة ينمى إليها هذا التأخر العلمي الذي نلمسه وتلك التبعية المطلقة لغير المسلمين، من أهم هذه الأسباب أيضا ذلك الوقوف المفاجئ الذي اعترض العلوم عند انطفاء مدينة الدولة الإسلامية بسبب الفتن، وهنا وقفت جهودهم لهذا السبب عند المتقدمين السابقين كالغزالي والرازي كان، فحسب بل واغتروا بمواصلة التأليف في العلوم، فإن التأليف أصبح صورا مكررة وتداخلت العلوم عندهم ببعضها .كما أنه انقطع التمرين العملي وأصبحت البحوث نظرية، فقد أولع المتأخرون بالبحث دونًا عن التجارب، بل أصبح أكثر ذلك البحث لفظيا، يا صديقي لقد وصل الحال إنك ترى كثيرا من أبحاث العلوم التطبيقية تسربت إلى كتب العلوم الأدبية الأخرى كعلم الكلام الذي هو علم عقلي بحت لا مجال فيه للمحسوس.

نقل هذه العلوم إلى لغتنا يعيد إليها وعلى أمتنا مجدها العلمي، إن هذا النقل سيتيح مهمة التشجيع والتأليف والتدوين. فالطريقة المثلى أن تعهد الدولة والدول إلى العلماء في كل ضروب العلم بنقل الكتب وتأليفها كما لو كانت الأستانة.

هذا إذا نظرت لحاضرنا هو ما ستجده فقط في الجامعة المصرية فهي فقط صممت من أجل أن تنتج مزيدًا من سقراط وأرسطو لا خوارزمي ولا رازي. تجد من ضمن هذه الأسباب أيضا الطموح للمشاركة في جميع العلوم من أكثر المتعلمين والمعلمين على السواء، والمشاركة والإلمام شيء طيب ولكن لا يجوز أن يكون على حساب التخصص، فإن موطن المشاركة ومحلها المناسب هو بعد أن يوجد في الأمة متخصصون في كل علم وكل مجال حتى تجد الأمة كفايتها، فإذا تمكن الإنسان من ناصية علم وأصبح قادرا على أن يقدم خدمة للأمة فيه فُسِّح له المجال للمشاركة والإلمام، إما أن يأخذ الإنسان في هذه العلوم أطرافا فلا يمهر في واحدة منها، وهذا أيضا تلاحظه جيدا عندما تنظر إلى أساتذة الجامعة المصرية، فلهذا كانت إحدى صيحاتي لأشكو ذلك لعميد كليتي -كلية الهندسة-.
ذلك هو سبب التأخر ولمثل هذا قالوا: صاحب علم يغلب صاحب علوم.

هذه الأسباب وأسباب أخرى معروفة جعلت التأخر سمة في هذه الأمة بعد أن كانت متقدمة أشواطا، وإذا كان هذا التأخر تربويًا أو تعليميًا، فإن هناك أسبابا فكرية للتأخر، سواء كان في نهضتهم وحياتهم وبُعدهم عن دينهم وغفلتهم مما تتطلبه الحياة التي تبدلت في المجال السياسي وغيره كل هذا التغير لم يواكبه المسلمون، فقد تغيرت طرق الحياة وظل المسلمون في سبات عميق وكانت الخسارة مزدوجة، صارت هذه الأمة عالة على غيرها، وحرمت العلوم من لمسات المسلمين التي تعطي لها العلم حقه فتطفأ عليه لمسات الإيمان ولا تجعله ألعوبة في أيدي ذوي الأهواء يصرفونه كما يشاؤون، لذا فعلينا أن نزيح هذه الأسباب التي أدت إلى تأخر المسلمين في العلوم وجعلتهم إمعة وأتباعا علي عكس ما استشهد بها الله في آياته "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ". أمة أخرجت للناس تقودهم لكي لا يأخذوا علم الحياة الدنيا وينسوا الآخرة.

في الحقيقة لا أود أن أترك الأمور كما هي وأختتم كلماتي عند قوله تعالي: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ". لأن ذلك من المؤسف حقا، وأن ذلك عكس ما عهدت عليه هذه الأمة، فإذا كان قد تم وصف الداء فكيف يكون الدواء ؟إن الدواء لا ينبغي أن يكون مجملًا وإنما يجب أن يكون مفصلًا، والدواء يكمن في أمور كثيرة ووسائل علمية تؤدي إلى نهضة حقيقية ملموسة:

أول هذه الوسائل أن تدون العلوم التطبيقية باللغة العربية كي يستند منها أساتذة الجامعات بخاصة بشكل مباشر عن علم ودراية كافية بما يودون استنباطه فيما يستلزم الحياة الوظيفية والعملية للطالب بشكل أكثر، بذلك تصبح لغتنا غنية بمؤلفاتها، حيث أن الحاجة ماسة إلى كتب عربية في كل فرع من فروع العلم، ففي حين أن كل لغة من اللغات الحية غنية بكتبها ومؤلفاتها العلمية نجد أن لغتنا العربية تتميز بفقرها الشديد في المؤلفات العلمية، بل لا يكاد يوجد كتب أساسية في فروع العلم يمكن اعتبارها مرجعا كافيا يستغنى بها عن المراجع الأجنبية، وإن لم تنقل هذه العلوم إلي لغتنا لبقينا عالة على غيرنا من الأمم، ليس عالة في الكشف والإنتاج فقط، ولكن عالة في التلقي والتطوير.

وتبقي دائرة زيف وظلمات العلم محصورة في النفر القليل الذين كل ما يهمهم تيسير حرفتهم ومهنتهم بالكتب الأجنبية، وحالنا اليوم يشبه ما كان عليه حال المسلمين في القرون الوسطى، أو ما كان عليه حال أوروبا في العصور الوسطى، لقد تنبه المسلمون إلى ضرورة نقل علوم الإغريق إلى لغتنا العربية وقام الخلفاء والأمراء بتشجيع العلماء على الانقطاع والتفرغ للنقل والتأليف .ولعل الجميع يذكر المكتبة الكبرى التي كانت أيام الخليفة المأمون والتي كانت تسمى "دار الحكمة".

أدعوك تغضب.. أدعوك تثور، فلتثر على علمك وعلى مآثرك التي تركت لك ومازال التفريط فيها، هنا فقط يسعدني أن أقول لك بارك الله فيك، وإن لم تفعل فبارك الله فيما أتيتك به.

يا صديقي فلتعلم أن نقل هذه العلوم إلى لغتنا يعيد إليها وعلى أمتنا مجدها العلمي، إن هذا النقل سيتيح مهمة التشجيع والتأليف والتدوين. فالطريقة المثلى أن تعهد الدولة والدول إلى العلماء في كل ضروب العلم بنقل الكتب وتأليفها كما لو كانت الأستانة.

يا صديقي إن الوسيلة العلمية لتحقيق هذا في أن ننشر الكتب العلمية التي وضعها المسلمون والتي نقل عنها الغربيون ككتب الخوارزمي وأبي كامل في الجبر والمثلثات، وكتب ابن الهيثم في الطبيعة، وكتب البيروني وابن رشد وابن سينا وغيرهم من قادة العلوم والتفكير العلمي العظماء المدققين، هذه الكتب موجودة الآن ولكنها حبيسة المكتبات والمتاحف وهذا هو الجهل، ولا يؤسفني أيها القارئ ما صرحت. الوسيلة الأخرى والأهم في نظري: هو أن نثير العلاقة القوية بين حياتنا العلمية الماضية والحياة المستقبلية التي نرمي إليها، هذه العلاقة لا تتوثق لمحات تاريخية بحتة، وإنما بتحريك الثقافة العلمية التي تربط بتاريخ التفكير العلمي لهذه الأمة الإسلامية.

وفي النهاية أخي القارئ.. فأنا أدعوك تغضب.. نعم بالتأكيد أدعوك تثور، فلتثر على علمك وعلى مآثرك التي تركت لك ومازال التفريط فيها، هنا فقط يسعدني أن أقول لك بارك الله فيك، وإن لم تفعل فبارك الله فيما أتيتك به، بل فكن أنت كما الدولة في مجامع الإعية ولا بارك الله في نصحي هذا.