شعار قسم مدونات

طَريدُ الفِكرة

blogs الجمال فى الصحراء
هنا.. ككُل الأسئلة العابِرة التي تمُر علينا مرور الكرام وربما بلغةٍ أُخرى.. كما نحنُ نَرغَب أكرَمَ مرور، والأصح أنه لا يهُم مادامت لحظةُ الكِتابة هي من يتسيّد في الآنية. كَانَ عبورُ سؤال هذا اليوم هو من قبيل المرور الكريم -أي أكرمَ مرور-، تسائلتُ عن سِرّ اسمتساك اللحظةِ الآنية به وهو الشاعر الذي مات ضحية لسانه أو ضحية نزوات -الفكرة- أو أنه كان ضحية ألسُنِ الماكثين وأعينِ العابرين -طَرَفَة بن العبد- كان مُستبَداً بين أعينِهِم وألسنتهم لكِنه أدركَ في حينٍ أن لحظات توقُّدِ الأفكار تتجاوز استبداد اللحظات داخل المكان أو حتى الزمان .

قد يكون تكراراً ما قد أقول أو قد يكون تزلفاً ورغبة في القُربى من هذا الشاعر.. أو ربما لأن حياته الممدودة بماديتها أُفنيت وهو يشقُ عُباب شبابه أي أنه اقتراب من نوعٍ آخر منه.. كُل هذا هو من قبيل المجاز لا افتراض الحتميات، ففي غالب الأحيان قد يكون المجاز خيراً من رِباط الحتميات والواقعيات المختزلة في أجزاء بسيطة يغلُبُ عليها الزّمان فتُصبِحُ خَبراً بعد أثر.

هو بَحرٌ يُتيحُ لنا رُخصة الغرق فيه، قد يكون الغرقُ هُنا حين ننظر إليه نظرة طَفوٍ على السطح مرتبطة بالجزئيات المغلوب على أمرها سُلطة الزمن، ولكن حين ننظُرُ إليه بعين الاستبصار يكون غَرَقاً في -لا حدود المجاز- حينها يكون ابتداءً لا ككُل البدايات، هو ابتداء مرتبطٌ بطبيعة النهاية الجزئية المغلوبة.

خرجَ طَرفة من المكانِ مطروداً فقط من أجل فِكرة، وإن من أشدّ الألم أن تكون ضحيةً من أجل حُريّةٍ منشودة أو تكون طريداً من أجل الحاجة.. أن يكون الشاعر أو الكاتب أو كُلّ راغبٍ في ملامسة الحُرّيّة من خِلالِ أفكاره حتى وإن كان تطبيقها مُقتصِراً على نفسه التي بين جنبيه

-هه- أظُنني غرِقتُ الآن دون رَحمةٍ منه أو هي رَحمَةُ المُحِب حين ننظُر إليها بعين البصير نبقى حينها حبيسو حُكمِها الأبدي المزعوم… إذاً.. هنيئاً سُلطَةُ المجاز على الواقع وعلى أعين الناس المفترضة للحتميات من قبيل إطلاقاتها للأحكام على الآخرين.. تُبقيهم عالقين بالطفو دون غَرَق.. إذاً كان الغرق عندي هو صمود في وجه الحقيقة لإثبات حقيقة.. المجاز الطريق المُمهّد إلى حقائق ذواتنا.. حين صعَدنا إليه غَرَقاً.. لأن البداية كانت مجازاً.. المجاز المعنى لمن لم يُدرِك هو بوابة المعنى.. فالتقط معناك واطرق أبواب مجازاتك ..

عَوداً إلى طَرَفة بعد الغَرَق في الرمز دون تجاهله.. أذكُرُ أنّي مُنذُ سبعة أعوام كانت أول مصافحة لي مع هذا الشاعر، حين كُنا مُجبرين على حِفظ أجزاءٍ من مُعلّقته، ولا أدري حينها ما الذي دفع الأستاذ إلى أن يُهدِر الرّمز ويجبرنا على تسميعها -بالمقلوب- من البيت الأخير إلى الأول ومن لم يفعل ذلك يكون جزاؤه عسيراً رُبما أنه كان يطفو على السطح وكان دافعه الأول هو إدراك العجز في تلاميذه (لا يهم)، لهذا السبب أو لغيره لا أدري.. لم يُلامسني حينها طَرَفَة وكان مثله مثل الحبر الذي كُتِب به اسمه، تجاوزت الموقف حينها حتى التحقت بالجامعة فكان اللقاء الآخر والمصافحة التي لازلت أشعر بملامستها في كَفّ روحي، وقد يكون الأمر بسبب التعقيد الذي كنت أشعر به حينها إذ أن المرء حين يبقى في عملية تَلقين مُجبرًا وليس براغبٍ بها إضافة إلى مرارة الغُربة التي تسحقه فانتظر عليه حيناً من الدّهر حتى ينفجر أو يندثر، أنقذني الرّمز الذي استمسكت به لذلك لم تحِن حتى الآن لَحظةَ اندثاري أو انفجاري ربما لحسن حظّي أو لخيبته.

عند العام الأول في الجامعة ووسط تلك المرارة كُلّها كُنتُ مُجبراً أيضاً على حِفظ أجزاء كبيرة من معلقات الشعر الجاهلية وأجزاء لا بأس بها من السير الذاتية للشعراء العشرة، حينها كانت القراءة مختلفة تماماً، فكان أن صافحت طَرَفة ولا زلت أصافحه في كُلّ حينٍ تُسعِفني الذاكرة بذلك .

قد يكون امتداد المصافحة من سبع سنين وحتى الآن هو أن طَرَفَة كان متجاوزاً لفكرة الانتماء المُرّة التي تقُضّ مضاجع من أدركوا الرموز، في حين أن من أدرك المعنى وقارب على ملامسته -لن يلامسه لأن المعنى ذاته لا يُسعِفنا فنلامسه- يُدرِكُ حينها أن الأرضَ كُلّها لم تعُد تكفيه، يتسع هو حَدّ الضيق ..

خرجَ طَرفة من المكانِ مطروداً فقط من أجل فِكرة، وإن من أشدّ الألم أن تكون ضحيةً من أجل حُريّةٍ منشودة أو تكون طريداً من أجل الحاجة.. أن يكون الشاعر أو الكاتب أو كُلّ راغبٍ في ملامسة الحُرّيّة من خِلالِ أفكاره حتى وإن كان تطبيقها مُقتصِراً على نفسه التي بين جنبيه.. حتى وإن كانت تلك نهاية بالنسبة للناظر لكِنّها في حقيقة الأمر هي بداية البدايات بالنسبة للمشتغِلِ بها يقول طَرفة بما هو قريبٌ من هذا:

فإِن كُنتَ لا تَسطيعُ دَفعَ مَنِيّتي
فَدَعنِي أُبادِرها بِما مَلَكَت يدي

لم يكن الموت ذات يومٍ خَياراً.. إلا أنه عند عند الحُرّ المُلامِسِ لروح أفكاره هو أول الخيارات التي يرجو من خلالها بدايات أُخَر.. طَرَفَة لم يَمُت ميتة واجدٍ للإجابة بل مات ميتة باحثٍ عن أسئلة أخرى أعمق مما وجد بكثير

أما حين يكون هذا الطّردُ والتّشريد فهو في ذلك الآن شديدٌ على النفس أشد من طعنات حسّية مباشرة، لأن ملامسة الشعور بما نكره وبما هو استنقاص من حَقّنا ومِن قَدرِنا في نفس الوَقت يكون هناك جرح ينزِفُ دون أن يندمِل..

وَظُلمُ ذَوي القُربَى أشَدُّ مَضاضَةً

عَلَى المَرءِ مِن وقع الحُسامِ المُهنّدِ


وهُناك في الذاكِرة المُعتِمَة وخَلف الذاكِرَةِ المُضيئة الآنية.. طَرَفَةُ يبكي على الأطلال ليس بُكاءَ مرورٍ عليها بل بُكَاءُ ماكِث.. طَرَفَة كُلّ الأرضِ عنده أطلال كُلّ الأرضِ عنده -خولة-:

وقوفاً بِها صَحبي عَليّ مَطيّهُم
يَقولون لا تَهلِك أساً وَتَجَلّدي

لم يكن الموت ذات يومٍ خَياراً.. إلا أنه عند عند الحُرّ المُلامِسِ لروح أفكاره هو أول الخيارات التي يرجو من خلالها بدايات أُخَر.. طَرَفَة لم يَمُت ميتة واجدٍ للإجابة بل مات ميتة باحثٍ عن أسئلة أخرى أعمق مما وجد بكثير. حين وقف الشاعر أمام المكعبر حاملاً موته بيديه وجيء برجُلٍ من تغلب لقَتلِه فقال لطَرَفَة: اختر لنفسك ميتة تهواها، فأجابه طرفة بأن قال: إن كان ولا بُد أفصِدني "أي إقطع عرقي". حينها مات طرفَة ميتة سكونٍ مُنتقِلاً بها من أسئلته ومُقبِلاً على تساؤلاته، رُبما كان هذا هو سِرُّ المصافحة. أو رُبما أن السّرَ هو في إدراكِهِ لتساؤلاته وإقبالِهِ عليه في سِن شبابه الذي أشُقُّ عُبابه الآن. رُبّما.. ورُبّما.. ورُبّما.. وتبقى الأسئلة..