حيرة الألباب في تعريف الإرهاب!

blogs - أحداث 11 سبتمبر
لن يصل العالم إلى تعريف جامع مانع للإرهاب، لن يصل اليوم ولا غدا، كما أنه لم يصل منذ سنوات طويلة. تعريف الإرهاب يمكن أن ينساب في كل زاوية من زوايا حياة الإنسان، وفي كل موقع من مواقع حياته، ويتشكل بحسب الهدف من استخدامه، وبحسب رؤية الفرد له، فالإرهاب عند الحاكم يختلف عن الإرهاب عند المحكوم.

إذا ذهبنا إلى القانون ليعرف لنا الإرهاب فلن يتم تطبيقه، لأن القانون يتمثل في قواعد سلوك عامة ومجردة، أي أنه واجب التطبيق على الناس، كل الناس، لا فرق بين واحد من الناس، وهذا مستحيل رابع يضاف إلى المستحيلات الثلاث (الغول والعنقاء والخل الوفي). وإذا ذهبنا إلى السياسة نلتمس عندها تعريفا للإرهاب أهلكنا الحرث والنسل، لأن السياسة لا رحمة فيها إلا لمن يحقق أهدافها، وغالبية العباد تعاكس تلك الأهداف، وهذا أمر أيضا مستحيل خامس يضاف للمستحيلات السابقة.

وإذا جمعنا القانون والسياسة، وهذه هي حال النصوص القانونية في جميع دول العالم قاطبة، كنا أمام نصوص قابلة للتفسير على كل الوجوه بحيث لا يستقر لها قرار إلا ما كان في مصلحة النظام السياسي. ولذلك فالمشرع يجد نفسه في واد من الأفاعي عندما يفكر في وضع تعريف للإرهاب، والقاضي يجدد نفسه في بحر من الرمال المتحركة عندما يريد تطبيق النص القانوني، والمواطن يجد نفسه في حواري المتاهة التي يصعب الخروج منها. يمكن لكل إنسان أن يضع تعريفا للإرهاب، ويمكنك أن تفند كل تلك التعريفات وتبطل غالبيتها، لأنها في غالبيتها ذات نظرة قاصرة، وتمثل ثقافة ومركز وأهداف قائلها. نستعرض تاليا بعضا من التعريفات:

تعريف وزارة الخارجية الأمريكية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

العنف المتعمد الذي تقوم به جماعات غير حكومية أو عملاء سريون بدافع سياسي ضد أهداف غير مقاتلة ويهدف عادة للتأثير على الجمهور.

تعريف وزارة الدفاع الأمريكية
هو الاستخدام المدروس للعنف أو التهديد باستخدامه لإشاعة الخوف بغرض إجبار أو إكراه الحكومات أو المجتمعات على تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيدلوجية.

الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب القاهرة لعام 1998
كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه ويقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض احد الموارد الوطنية للخطر.

وعرف قانون العقوبات الأردني الإرهاب في المادة (147) بقوله:
(1- يقصد بالإرهاب: استخدام العنف أو التهديد باستخدامه، أيا كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذا لعمل فردي أو جماعي بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق أو الأملاك العامة أو الأملاك الخاصة أو المرافق الدولية والبعثات الدبلوماسية أو باحتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية للخطر أو تعطيل تطبيق أحكام الدستور والقوانين.

بالرغم من كل المخالفات الدستورية للحكومات، وبالرغم من النصوص الواردة بتجريم إعاقة تطبيق أحكام الدستور، إلا أن المحاسبات الجزائية لا تقوم إلا بحق الشعوب!

2- يعد من جرائم الإرهاب أي فعل يتعلق بأي عملية مصرفية وبصورة خاصة إيداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أي مؤسسة مالية تمارس أعمال البنوك أو تحويل هذه الأموال من قبلها إلى أي جهة كانت إذا تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقة بنشاط إرهابي وفي هذه الحالة تطبق الإجراءات التالية …).

ودخلت هيئة كبار العلماء في السعودية على خط تعريف، فلم تستطع صياغة تعريف يحدد مفهوم الإرهاب (وهي معذورة في ذلك للأسباب التي ذكرناها أعلاه)، واكتفت بذكر الأوصاف، إذ حددت من الأوصاف (استهداف الموارد العامة، والإفساد، وخطف الطائرات، ونسف المباني)، وفق ما جاء على الموقع مارب برس الالكتروني، ولم تحدد الهيئة عقوبة للعمل الإرهابي. يمكن تسجيل مناقشة هادئة لجميع التعريفات للإرهاب تتمثل بما يأتي:

1ـ جميعها تطلق لفكر القاضي الجزائي ووجدانه في التوسع في تجريم الأفعال.
2ـ جميعها تشتبه فيها المسميات والمصطلحات، فاستهداف الموارد العامة الذي جاء في التعريف السعودي يكون ممن لا يمكن مساءلتهم (من الطبقة العليا)، ولا أعتقد أن هذا سيكون، ويكون بالتالي تطبيق النص على أبسط مساس بالموارد العامة، أما المساس الأعظم فلن يقترب منه أحد.

3ـ سياسة التجريم في كل التشريعات تقوم على تقديس أنظمة الحكم، بحيث تعطيها الحق في الملاحقة متى شعرت بخطر حتى لو كان الخطر بسبب تلك الأنظمة السياسية أو منها.
4ـ إرهاب الدولة الإيديولوجي الذي هو أخطر أنواع الإرهاب لا يدخل ضمن دائرة التجريم، ولا يعد من قبيل الإرهاب، بل يعد من قبيل دور الدولة في التطوير، حتى لو كان مخالفا لكل القيم والعادات والمعتقدات السائدة.

إذا ذهبنا إلى السياسة نلتمس عندها تعريفا للإرهاب أهلكنا الحرث والنسل، لأن السياسة لا رحمة فيها إلا لمن يحقق أهدافها، وغالبية العباد تعاكس تلك الأهداف.

5ـ بالرغم من كل المخالفات الدستورية للحكومات، وبالرغم من النصوص الواردة بتجريم إعاقة تطبيق أحكام الدستور، إلا أن المحاسبات الجزائية لا تقوم إلا بحق الشعوب.
6ـ النص القانوني الغامض مجلبة لسوء الظن، حيث يشعر المواطن انه تم صياغته بأسلوب يفتح أبوابا خلفية بشكل قانوني للبعض ليهربوا أو يتهربوا منه، وهذا حال تعريفات الإرهاب.
7ـ الذي يريد أن يعرف الإرهاب يجب أن لا تكون له أي مصلحة يخاف عليها، يجب أن يتجرد من الدنيا إلا حب الوطن، والغيرة على ترابه، والشفقة على ضعفائه، والحنو على نسائه وأطفاله، وهذه تقف دائما عقبة في طريق صياغة تعريف متجرد له.

8ـ إذا كان العالم الذي يشقى بعلمه وببعده عن دين الله، إذا كان يريد أن يعرف الإرهاب تعريفا مانعا جامعا، فأنا أقدم له هذه الأحاديث الشريفة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كافية لاستنباط التعريف المقصود: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وإن كان أخاه لأبيه وأمه"، وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما"، وقال عليه الصلاة والسلام: "من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة". ليت هذه الألباب تقف على موارد الشريعة الإسلامية لتأتينا منها بتعريف للإرهاب يريح كل الألباب.