شعار قسم مدونات

حرب المصطلحات بين الإسلاميين

مدونات - مكتبة إسلامية

كنا نسمع معارك شرسة حول المصطلحات والمفاهيم بين الإسلام والغرب، والتي تهدف إلى إزاحة مصطلحات الأمة الإسلامية وإحلال أخرى محلها بغية تأثير منظومة تفكيرها وتراثها التاريخي، وقيمها الحضاري، ورؤيتها المستقبلية. إلا أن هناك حروب ضروسة أخرى بين الإسلاميين حول المصطلحات الشرعية والتاريخية حيث يحاول كل طرف أن يحتكرها ويُخرج الآخرين من نطاق تلك المصطلحات، والتي منها: أهل السنة والجماعة، والسلفية، وأهل الحديث، والفرقة الناجية.. وصولا إلى الألقاب الشخصية العلمية التقليدية والأكاديمية، مثل: الشيخ، العلّامة، الإمام، المحدث، الدكتور، والأستاذ إلخ.

وترى هنا وهناك محاولة البعض لتجريد الخصوم من تلك الألقاب العلمية المكتسبة- وهو يستحق- بل ويحاول تشويه اسمه الأصلي، ومع ذلك يلبس مشايخه أتواجاً من الألقاب الضخمة -وقد لا يستحق شيئاً منها- لم نعن الإسلاميين هنا الحركات الإسلامية المعاصرة فحسب بل نقصد كل التيارات الإسلامية بمن فيهم التوجهات الإسلامية القديمة مثل الصوفية. والناظر في الخلافات الفقهية والفكرية القديمة بين العلماء يجد أنها كانت خلافات علمية صرفة حول معان حقيقية، أي خلافات دينية ذات ثمرة علمية، بينما الخلافات في الوقت الحاضر، معظمها خلافات حول المسميات والمصطلحات العارية عن فوائد علمية تذكر.

أظهرت نتيجة المؤتمر مستوى صراع المصطلحات بين التوجهات الإسلامية، حيث أتت نتيجته كرد فعل عن بعض الجماعات السلفية التي أخرجت الأشعرية والطرق الصوفية عن أهل السنة والجماعة والسلفية.

السلفية والسنية:
تاريخيا كانت المصطلحات الإسلامية الكبرى مثل: السلفية وأهل السنة والجماعة تستوعب جميع المسلمين على اختلافاتهم الداخلية الفقهية والفكرية غير الفرق الضالة من الشيعة والمرجئة والمعتزلة والخوارج.. لوقوعهم في مخالفات جسيمة تقوّض رسالة الإسلام ونقائها. وأما الآونة الأخيرة أصبحت السلفية والسنية محتكرة لبعض الجماعات التي تجعلها حمولة خفيفة قابلة للحمل حيثما ذهبت، في حين ترفض للجماعات الإسلامية الأخرى أن تقترب من هذا الوصف ولو جزئيا.

كلنا نحب ونفتخر ونتنمى أن نكون سنيين وسلفيين وكل وصفة إسلامية إلا أننا لا نستطع أن نحتكر الشرعية بدون الآخرين، كما أننا لا نستطيع أن نجزم أيضاً سلفية بعض المسائل كونها مسائل اجتهادية جزئية مختلفة فيها حتى عند السلف الصالح رضي الله عنهم، ومن اجتهد وأصاب الحق فهو سلفي وسني في مسألته، فالصوفي المصيب في مسألة ما فهو سلفي وسني في تلك المسألة، وكذا السلفي والإخواني والتبليغي والتحريري وغيرهم طالما أن هذه المسائل في دائرة اجتهاد أهل السنة والجماعة فقها وعقيدة، فعلى السبيل المثال "نقض الوضوء بأكل لحم الإبل" فهي مسألة مختلفة فيها بين الفقهاء المسلمين، وبين الصحابة -رضي الله عنهم-، والسلف الصالح، ومن هذا من توضأ فهو سلفي، ومن لم يتوضأ فهو سلفي أيضاً، فهذه هي السلفية والسنية المطلوبة، وليست الاقصائية، وأن المسلم لا يخرج عن سلفيته وسنيته في المسائل الخلافية السائغة مثل تلك المسألة.

ولنعرف حجم اختطاف المصطلحات والصراع عليها بين الإسلاميين، فلنأخذ على سبيل المثال حادثتين غير بعيدتين عنا زمنا لدلالة على ذلك، وهما:
المثال الأول: اختطاف مصطلح "أهل السنة والجماعة" في مؤتمر الشيشان:
عقد في العاصمة الشيشانية جروزنى في الفترة ما بين ٢٥ و٢٧ أغسطس 2016م مؤتمراً لإعادة تعريف أهل السنة والجماعة، وانبثق عن المؤتمر جوابا قصيرا لسؤال: من هم أهل السنة والجماعة؟، وقالوا: أهل السنة والجماعة هم "الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية"، وهكذا أخرج التعريف الحركات الإسلامية المعاصرة من أهل السنة والجماعة بهذه السهولة من خلال مؤتمر سياسي في أرض محتلة استمر يومين فقط، في محاولة بائسة في اختلاط الأوراق والمفاهيم بين المسلمين وفتح جبهة جديدة من الصراعات حول المصطلحات الإسلامية الأصيلة الثابتة التي لا تقبل المساس بسهولة، وبهدف إلى خلق مفاهيم جديدة لأهداف سياسية وطائفية، في حين كان المفروض أن يستوعب التعريف جميع التيارات الإسلامية السنية ليكون شرعيا وواقعيا، لإن من مميزات أهل السنة والجماعة أن تجمع ولا تفرق كما يفهم من المصطلح نفسه.

أظهرت نتيجة المؤتمر مستوى صراع المصطلحات بين التوجهات الإسلامية، حيث أتت نتيجته كرد فعل عن بعض الجماعات السلفية التي أخرجت الأشعرية والطرق الصوفية عن أهل السنة والجماعة والسلفية، واستخدامات -الجماعات السلفية- بكثرة مصطلح (السلفية) بدلا من أهل السنة والجماعة الذي كان محتكرا للأشاعرة والماتريدية والطرق الصوفية منذ زمن بعيد، بينما تتشبث الأخيرة مصطلح (أهل السنة والجماعة) الذي هو أقوى وأشمل من مصطلح (السلفية) من حيث التاريخ والتراث، وتشارك التيارات الشيعية الجديدة -دولا وحركات- مع الطرق الصوفية في إقصاء بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة عن مصطلح أهل السنة والجماعة موصوفين بهم الوهابية والسلفية..

المثال الثاني: اختطاف مصطلح "السلفية":
في مارس 2016م أصيب الداعية الإسلامي الشهير الدكتور عائض القرني بجروح إثر إطلاق نار عليه وذلك بعد فراغه من محاضرة ألقاها في مدينة زانبوانغا الفلبينية، و زار الدكتور صالح الفوزان الدكتور عائض، ثم نتج عن الزيارة ردود غاضبة في صفوف من يعدون الشيخ الفوزان سلفيا -وهو كذلك- ويضعون الشيخ القرني في خانة الضالين، مما اضطر الجماعة السلفية -لا أقول مدعي السلفية لئلا أقع فيما أحذر عنه- إلى إصدار بيانا يحاول تهدئة الأجواء والتي كانت معبأة أصلا بأفكار مبنية على الصراع وإقصاء الآخرين عن دائرة الصواب بسهولة ولو بمسألة واحدة.

الله سبحانه وتعالى لا يسألنا عن انتماءاتنا الحركية وأسماء الجماعات الحالية بل يسأل عن أعمالنا بدليل قوله -صلى لله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

وتزيد دهشتك إذا قرأت تبرير البيان السلفي للزيارة وأدلته الدينية، والذي قيل فيه "بأن العالم قد يرى المصلحة الراجحة في زيارة المخالف من باب النصيحة وإلزامهم بالحجة كما كان معروفا عند سلف الأمة المتقدمين من الصحابة والتابعين" واستدل البيان أيضا لجواز الزيارة بالمناظرة التاريخية بين الصحابة والخوارج، قائلا: "وأعظم الحجج في ذلك إرسال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لابن عباس -رضي الله عنه- إلى الخوارج لمناظرتهم وقد أرجع رضي الله عنه وقتها نحوا منهم". يخطر على بال المسلم غير المتعصب عند سماع إصابة أخيه المسلم استحباب زيارته، والدعاء له، وكسب الثواب الوارد في الزيارة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، بل الثابت عن أن النبي صلى الله عليه أنه زار غلاما يهوديا، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أنس قال: " كَانَ غُلاَم يَهُودِي يَخْدم النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَعُودهُ.. إلى آخر الحديث" نعم للدعوة وللزيارة.

فكيف يستطيع أن يفسر المسلم العامي بهذه الضبابية والازدواجية، ومن يقتدي هذا المسلم المشغول بمتاعب هذا العصر، والذي يريد الإسلام الخالص وخلاصته، ولا يريد هذا الترف الفكري، والتخمة، وهو لا يستطيع الفرق بين السلفية والسلفيّة السلفيّة؛ لأن الدكتور عائض القرني يعده الناس من دعاة الدعوة السلفية، وهو كذلك.

والهدف من تلك الصراعات العقيمة الوهمية الجدلية، واختطاف الأسماء الإسلامية بدون التحري في معانيها الحقيقية والتاريخية والواقعية، هو محاولة إضفاء الشرعية لأنشطة الجماعة التي تحتكر الاسم، ولإقصاء الآخرين العاملين في الحقل الإسلامي وإخراجهم من دائرة الحق والصواب من خلال تشويههم وتبديعهم وتضليلهم بل وتكفيرهم قسراً وهم متمسكون بالإسلام. ومما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى لا يسألنا عن انتماءاتنا الحركية وأسماء الجماعات الحالية بل يسأل عن أعمالنا بدليل قوله -صلى لله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (صحيح مسلم).