المؤسسات الدينية في دول الخليج والدور المرتقب في الأزمة

blogs - شيوخ الدين
حاولت دول مجلس (التعاون) الخليجيّ أن تبني مؤسسات دينية خاصّة بها خلال العقود الماضية، ولا شكّ أنّ السبق كان لبلاد الحرمين، التي استدعت العالم الإسلاميّ لينظر إلى مؤسساتها بعين الاحترام، نظرًا للبعد التاريخيّ، المترافق مع الدعاية الإعلاميّة الضخمة، ونظرًا للبعد الجغرافيّ في انتماء تلك المؤسسات لبلادٍ يُقدّسها عامّة المسلمين، ويرونَ لها حُرمةً خاصّة، استتبعت حرمة ما يردُ منها من أصوات للقرّاء وفتاوى للفقهاء! وكأنّهم ينطقون باسم الوحي!

وقد حاولت بعض تلك المؤسسات أن تُظهر نوعًا من الحياديّة الفكريّة والمذهبيّة فضمّت في صفوفها أمثال الشيخ القرضاوي، لكنّ وجوده فيها لم يكن مؤثّرًا إلا باتّجاه تلميع صورة تلك المؤسسات. وممّا هو واضحٌ أنّ محاولات قطر لتبنّي مؤسسات دينيّة كانت ناجحةً أيضًا، حيث تمركز فيها الشيخ القرضاويّ، وهو بشخصِهِ يشكّل ثقلاً كبيرًا يؤدّي إلى توازنٍ يكاد يرجّح كفّة المؤسّسات التي يرعاها على مجموعةٍ كبيرةٍ من العلماء والمشايخ الموجودين في بلاد الحرمين، فكيف وقد ضمّ إلى مؤسساته نخبة العلماء وطلاب العلم على مستوى العالم الإسلاميّ، ودخل فيها من قَبِلَ ذلك من علماء بلاد الحرمين أيضًا.

ولم يكن ليُكتب تفوّقٌ لتلك المؤسّسات لولا أنّ منهجَها كانَ أكثر قبولاً في العالم الإسلاميّ من المنهج الأحاديّ الإقصائيّ الذي تبنّته أكثر المؤسّسات الدينيّة في بلاد الحرمين، والذي يقوم على اعتقاد حقّيّة ما يذهبون إليه، مع رمي جماهير العلماء وطلاب العلم المخالفين بأوصاف الضلال والبدعة والفسق، ممّا أدّى إلى تنفير طوائف كبيرة من العلماء في مختلف بقاع العالم الإسلاميّ.

إنّ انفتاح مؤسّسة الاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين على علماء مختلف الدول في الشرق والغرب جعل منها مؤسّسة ذات تأثير ومصداقيّة في تلك الدول، وجعل المنتسبين إليها من علماء تلك البلاد يُدافعون عنها، ويحملون رسالتها، ويثقون بقيادتها، وكان للانفتاح ثمرات عمليّة؛ فتولّى منصب نائب رئيس الاتّحاد موريتانيّ ثمّ سوريّ، وكان على رئاسة لجانِهِ عددٌ من مختلف دول العالم الإسلاميّ، ومثّله في دول أعضائه مجموعةٌ من كبارِ مشايخ هذه الدول.

لم تتمكّن البحرين مع تنامي الصراع الدينيّ (الطائفيّ) فيها أن تتبنّى أيّ وجهة نظر خاصّة بها، بل كانت في الجملة تابعة للمؤسّسة الدينيّة السعوديّة، فسمحت للفكر المنتمي إلى محمّد بن عبد الوهّاب أن ينتشر، وهو ما سهّل تداخلات الشيعة الفكريّة والاعتقاديّة.

لقد استطاعت قطر من خلال تبنّيها لهذه المؤسّسة ولمؤسِّسِها أن تملك مفاتيح مهمّة في العالم الإسلاميّ. ونأت بلاد الحرمين بمنظومتها الدينيّة القائمة على نبذ الآخر وعدم تقديمه في إمامة الحرمين ولا في الخطابة فيهما ولا في موسم الحجّ وعدم تقديمه في مؤسساتها الدينيّة عن إمكانيّة التأثير في العالم الإسلاميّ لولا الضخّ الماليّ الضخم الذي بذلته في سبيل التربّع على عرش سوق المال في واقعنا المعاصر، وهو ثمن ضخمٌ جدًّا لإنجازٍ شكليّ؛ لا يعدو أن يكون انتصارًا لمسلمين على مسلمين! وهو ما لا تحتاجه الأمّة قطعًا، وما لا تنتظره من مشايخها وعلمائها وقادة الفقه والفكر فيها.

إنّ المؤسسات التي انتهجت نهج التبرير لسياسات الحاكم -حتّى وإن ابتعدت عن الشريعة فروّجت لسياسة (السعودة)! وقبِلَتْ وجود البنوك الربويّة عقودًا طويلة، و لم نشهد لها موقفًا تجاه قنوات الرذيلة، وتُغَلْغِلُ مفاهيمَ الإلحاد في عقول الأطفال قبل الشباب- ليست مقبولة من قبل العلماء وطلاّب العلم.

أمّا الإمارات فقد كانت لها محاولات متكرّرة من خلال تبنّي شخصيّات دينيّة مهادنة تلقّفتها أجهزتها الإعلاميّة والأمنيّة؛ فرعَتها رعايةً خاصّة أثمرت إنشاء مجموعة تتبنّى وجهة نظر الدولة في محاربة ما يُسمّونه إرهابًا، ولم تتبنّ مؤسّساتٍ حقيقيّةً إلا مؤسّسة (طابه) التي يرأسها "الحبيب" علي الجفريّ، الذي سايَرَ الانقلاب في مصر، ومشى في تيّار الثورات المضادّ بشكلٍ فجّ.

لم تتوقّف محاولات الإمارات عند هذا الحدّ، بل بادرت إلى تأسيس منتدى لـ(الحوار) مع الأديان الأخرى، و(محاربة) الجماعات الإرهابيّة! فكان حربًا على المنتمين إلى الأمّة، سلمًا لأعدائها! وهو ما عُرِفَ بـ(منتدى تعزيز السِّلْم)، الذي رأسه العلاّمة بن بيّه، وفي حفل تأسيس هذا المنتدى وافتتاحه ظهر رئيسُهُ بجوار رجال المخابرات في الإمارات، وبجوارهم بعض أراكوزات مصر الدينيّة؛ ممّا أضعف صورة المنتدى برمّته، وجعلَهُ محسوبًا على أجهزة المخابرات وليس على الأجهزة العلميّة الدينيّة.

ولم تتمكّن البحرين مع تنامي الصراع الدينيّ (الطائفيّ) فيها أن تتبنّى أيّ وجهة نظر خاصّة بها، بل كانت في الجملة تابعة للمؤسّسة الدينيّة السعوديّة، فسمحت للفكر المنتمي إلى محمّد بن عبد الوهّاب أن ينتشر، وهو ما سهّل تداخلات الشيعة الفكريّة والاعتقاديّة؛ وذلك إرضاءً لــ(وليّ الأمر) كي لا يكون للمؤسسات الدينية أيّ دور فاعل في مناهضة الشيعة؛ باعتبارهم جزءًا من النسيج الاجتماعيّ في شرقيّ بلاد الحرمين، وقد أدّى هذا الخلط بين الدينيّ والسياسيّ إلى إحجام العلماء عن دورهم في بيان حقيقة الدين الشيعيّ، وتركهم الساحة فارغة لينشط فيها دُعاة التشيّع، كما أدّى صبّ الأموال إلى الخارج من أجل نشر الفكر (السلفيّ) و(العقيدة الصحيحة) إلى ترك الداخل لعبث دعاة الفكر الطائفيّ الشيعيّ والليبراليّ.

بينما ساهم الانفتاح الموجود في الكويت والحريّات السياسيّة والإعلاميّة في عدم نشوء مؤسّسة دينيّة مؤثّرة فاعلة، مع وجود تيارات سياسيّة وفكريّة متعدّدة، كما ساهم عدمُ تبنِّي الدولة أيًّا من التيارات إلى وجود تنافس وطنيٍّ بينها، تَمثّلَ سياسيًّا في مجلس النواب الكويتيّ، فبقيت تيارات متفرّقة هشّة، لم تبنِ لها سمعةً وطنيّةً أو دوليّة بقدرٍ كافٍ، وهذا أفضل لأيّ دولة ترى من وجود الإسلام السياسيّ تهديدًا لكيانها، أو ترى في الكيانات القويّة الجماهيريّة منافسةً لها على قلوب الناس!

أن تقومَ بعضُ هذه المؤسسات بفصل رموزٍ من علماء الأمّة منها، أو أن تقوم بإصدار بيانات اصطفاف إلى جانبِ أعداء الأمّة! المعادين للمجاهدين في أرض الرباط في فلسطين وفي بلاد الشام؛ بحجّة موافقة وليّ الأمر! فهذا أشدّ وأنكى.

إنّ هذه المؤسّسات التي بُنيت على أعين الأجهزة في دول الخليج لن يسهُلَ عليها أبدًا أن يكون لها مواقف ذات استقلاليّة حقيقيّة، ولكن بالنظر إلى وجود أشخاص لهم تأثير مجتمعي خارج إطار هذه المؤسّسات فإنّ مهمّة هذه المؤسّسات في الموازنة بين الخطاب الديني والخطاب السياسيّ ليست سهلة، وقد تَحدُثُ مزاوداتٌ في المواقف على هذه المؤسّسات من بعض الشخصيّات الدينيّة التي لها تأثيرٌ كبيرٌ.

ليس الخروج من الإطار الوطنيّ مطمحًا نرجوه من هذه المؤسّسات، لكنّ غاية ما نرجوه هو أن تكون داعيةً إلى تغليب العقل والمنطق، مطالبةً بتحقيق وحدة الأمّة، وصدق الانتساب إلى جسدها، ساعيةً إلى الإصلاح بين الناس، راجيةً التوافق و(التعاون) بين دول مجلس (التعاون)، وتأخّرُ القيام بهذا الدور مؤشّرٌ خطيرٌ على تبعيّة تلك المؤسّسات المطلقة للحاكم.

لقد بادرت بعض المؤسسات الدينيّة -ومنها هيئة علماء أهل السنّة في العراق- إلى إصدار بيان متوازن لا تعجزُ أيّ مؤسّسة دينيّةٍ موجودة في دول الخليج عن إصدار مثله، ويُنتظَرُ أن يكون للاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين بيان مماثل من حيث مضامين الخطاب السياسيّ والفكريّ، كما يتوقّع أن يقوم الاتّحاد بخطوات عمليّة ومنها أن يتهيّأ الاتّحاد لإرسال وفود من علماء البلاد نفسها إلى المسؤولين لقيادة محاولات الإصلاح.

أمّا أن تقومَ بعضُ هذه المؤسسات بفصل رموزٍ من علماء الأمّة منها، أو أن تقوم بإصدار بيانات اصطفاف إلى جانبِ أعداء الأمّة! المعادين للمجاهدين في أرض الرباط في فلسطين وفي بلاد الشام؛ بحجّة موافقة وليّ الأمر! فهذا أشدّ وأنكى.

إنّ أملاً كبيرًا ينعقدُ على المؤسّسات الدينيّة في رأب كلّ صدع، وترقيع كلّ شقّ! وليس من المقبول أن تصمت صمت أهل القبور، وكأنّ شيئًا لا يعنيها، فضلاً عن أن تتكلّم بما يفيد انحيازها لجانب الباطل!