شعار قسم مدونات

الفصائلية السياسية.. هل تعيد الثورة اجترار أخطائها؟

blogs العلم السوري

إن المجتمع الدولي بشقيه الأصدقاء والأعداء أسهم إلى حد بعيد في إضعاف المعارضة السياسية للثورة السورية وتشظيها من خلال إصرارهم وتكرارهم لعبارة (توسيع المعارضة) والتي ما زالت تتوسع حتى أصيبت بالتخمة والترهل، وإن هاتين الكلمتين يعشقهما الأسد لأنهما تعنيان ببساطة أنه باقٍ ولا يُراد له أن يرحل.

المسيرة الطويلة لتشظية المعارضة السياسية للثورة ابتدأت قبل نحو خمس سنوات حين همس بعض الأصدقاء والحلفاء في أذن بعض ممثلي الثورة السورية حينها: إننا معكم وسنساعدكم على خلع الأسد إنما ينبغي أن يكون للحراك الثوري الشعبي صوت سياسي موحد في الخارج يتكلم باسمه، ويقدم للمجتمع الدولي المتوجس صورة تقنعه أن رحيل الأسد لن يعني الفوضى، وأن الثورة تمتلك من الكفاءات والأدوات ما يؤهلها لتكون بديلًا مقبولًا عنه، حينها طارت المعارضة فرحًا بهذه النصيحة المخلصة ممن اصطُلح على تسميتهم بـ(أصدقاء الشعب السوري)؛ حيث رأوا فيها جدية من قِبل هؤلاء الأصدقاء لنصرة الثورة وترتيب أوراقها؛ تمهيدًا للإطاحة بالأسد وطغمته، وفعلًا استجابت المعارضة المتناثرة حينها فشكَّلت أول كيان ثوري سياسي يحمل روح الثورة ويمثلها في الخارج، وتمخض عن ذلك تشكيل المجلس الوطني السوري الذي ضم حينها مختلف أطياف الشعب السوري وتوجهاته.

أمام صمت المجتمع الدولي وعجز أصدقاء الثورة وجدت المعارضة نفسها مضطرة للدخول في أروقة المفاوضات ومتاهاتها لعلهم يوقفوا عداد الموت ولو إلى حين، أو يكسروا قليلًا حدة القتل والدمار

وما هي إلا أشهر قليلة حتى عاد الأصدقاء ليهمسوا في أذن المعارضة بلزوم توسيع هذه المعارضة السياسية لتكون أعم وأشمل، فكان الائتلاف الوطني السوري، وجريًا على عادة تقديم النصح والاستشارات الصادقة والمخلصة من الأصدقاء، تم نصحهم بعد فترة بضرورة (توسيع المعارضة)؛ فتم منح ما عُرف حينها باسم (كتلة ميشيل كيلو) أحد عشر مقعدًا في الائتلاف ثم 14 مقعدًا للأكراد، ثم تتابعت نصائح الأصدقاء بلزوم توسيع المعارضة حتى ناهز عدد أعضاء الائتلاف الـ130 عضوًا، ولم تعد هناك قاعة اجتماعات تتسع لهم.

وتتابعت الشهور والسنوات، فلا الأسد سقط ولا شلال الدم توقف ولا المعارضة دُعمت، وبدا للسوريين أنهم أمام كابوس لن يستفيقوا منه أبدًا وهم يرنون بأعينهم يوميًّا عداد الموت حتى ناهز عدد شهدائهم النصف مليون تحت سمع وبصر (أصدقاء الشعب السوري).

 

وأمام صمت المجتمع الدولي وعجز أصدقاء الثورة وجدت المعارضة نفسها مضطرة للدخول في أروقة المفاوضات ومتاهاتها لعلهم يوقفوا عداد الموت ولو إلى حين، أو يكسروا قليلًا حدة القتل والدمار. فما كان من الأصدقاء القدامى إلا أن هرولوا إلى المعارضة من جديد مُثنين على خيارها الشجاع والتاريخي في تبني المسار السياسي لحل المعضلة السورية، وجريًا على عادتهم القديمة عادوا لتقديم النصائح الثمينة لها، فاستبدلوا عبارة (توسيع المعارضة) بعبارة (توسيع وفد التفاوض).

ابتدأت المفاوضات بجنيف-1 في شهر حزيران/ يونيو 2012 حينها كان يمثل المعارضة سياسيًّا جهة واحدة فقط ألا وهي الائتلاف بمباركة حذرة من معظم الفصائل الثورية المؤثرة على الأرض، فتمخض جنيف-1 حينها عن مجموعة مخرجات هامة ذات سقوف مرتفعة كان أبرزها بند (تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية لا مكان للأسد وزمرته فيها)، وبدا حينها للسوريين المنكوبين بصيص ضوء في نهاية النفق القاتم الظلمة، وما هي إلا برهة وعادت الأمور للمراوحة مكانها من جديد.

 

وتتابعت المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات وتتابعت معها نصائح الأصدقاء بضرورة (توسيع وفد المعارضة)، وبالفعل اجتمعت المعارضة الطيبة في الرياض أواخر عام 2015 وشكلت (الهيئة العليا للمفاوضات) ضمت تشكيلة واسعة من المعارضين بما فيهم بعض القريبين من نظام الأسد كهيئة التنسيق وأشباهها؛ أملًا في قطع كل الحجج والذرائع أمام المجتمع الدولي للتحرك جديًّا لوقف المذبحة المستمرة منذ أربع سنوات. وذهب وفد التفاوض إلى جنيف-2 ومن بعدها جنيف-3، لكن المعارضة كانت تعود دائمًا من تلك المفاوضات بخُفيّ حُنين.

العابثون في الخفاء بمسار الثورة السورية والمتوجسون من تحرر الشعوب عمومًا والساعون لإعادة إنتاج نظام الأسد قرؤوا حالة الفشل والفوضى التي خلَّفتها الفصائلية على المستوى العسكري للثورة، وها هم يسعون لتكرارها عبر فصائلية شبيهة على مستوى التمثيل السياسي للثورة السورية

في هذا الوقت دخل على الخط بشكل مباشر الحليف الأقوى لنظام الأسد بآلته العسكرية المجنونة متبعًا سياسة الأرض المحروقة، ومكث قرابة سنة يحصد فيها البشر والحجر، واستطاع ببطشه وإجرامه وتوحشه تحقيق نقاط هامة لنظام الأسد كان آخرها وأبرزها انتزاع حلب من يد المعارضة بعد حصار خانق وتدمير لكل أشكال الحياة فيها، وبعد هذا الإنجاز الكبير للروس في سوريا أراد سفاح الكرملين أن يغسل بعض العار عن وجهه والدماء عن يديه بتقديم نفسه كحريص على إيجاد حل سياسي في سوريا، وجمع مختلف الفرقاء المتصارعين على طاولة واحدة لتقرير وقف دائم لإطلاق النار، وهنا ظهر الأصدقاء المختفون من أكثر من سنة ليقدموا نصحهم للمعارضة بضرورة الحوار مع الروس لكبح جنونهم، فكان مؤتمر الأستانة-1، والذي حضرته المعارضة بوفد عسكري خالص، ومن بعده أستانة-2.

لندقق الآن قليلًا في المسار السياسي منذ جنيف-1 الذي حضرته المعارضة برأس واحد يمثلها وهو الائتلاف الوطني، ثم جنيف-2 وجنيف-3 الذي مثَّل المعارضة حينها الهيئة العليا للتفاوض، ثم أستانة-1 وأستانة-2 ومثَّل المعارضة فيها وفد عسكري من ممثلي الفصائل الثورية، ثم يأتي جنيف-4 ممثلًا برؤوس ثلاثة: الائتلاف وهيئة التفاوض ووفد الأستانة العسكري في حالة من التشظي السياسي غير المسبوق للمعارضة.

العابثون في الخفاء بمسار الثورة السورية والمتوجسون من تحرر الشعوب عمومًا والساعون لإعادة إنتاج نظام الأسد بعد ثبوت أنه الأحفظ لمصالحهم والأقرب لمشاريعهم والأطوع لإرادتهم قرؤوا حالة الفشل والفوضى التي خلَّفتها الفصائلية على المستوى العسكري للثورة، وها هم يسعون لتكرارها عبر فصائلية شبيهة على مستوى التمثيل السياسي للثورة السورية.. فهل تُعيد الثورة اجترار أخطائها؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.