شعار قسم مدونات

التيّارات الإسلاميّة بين الحركة والسكون

مدونات - عبد الفتاح مورو
لا يوجد في تاريخ الأفكار فكرة وهّاجة على طول التاريخ، فَالفكرة ما إن تنتقل من النظريّة إلى التطبيق، حتّى يعتريها كثير من التحوير، والامتزاج بالرّوح البشريّة المعبّرة عنها في سلوكها، كلّ فكرة تتعرّض في خطّها البيانيّ لمراحل من الكمون، ومراحل من الحركيّة، لكونها اجتهادات خاضعة للانفعال البشريّ. وهذا ما يجعلنا نحلّل التصرّفات التي تمارسها الأنظمة العربيّة، من ضغوط وحصار على الفكرة الإسلاميّة بأنّها تهدف إلى إعادة الفكرة الإسلاميّة للكمون، ومنعها من الحركيّة الطامحة التي تشكّل خطر المنافسة، للاستحواذ على ممثليّة الدِّين، كنموذج ملهم تحتشد خلفه الجماهير، ويسحب بساط الشرعيّة السياسيّة من تحتها.
 
طبعاً نحن نقصد بحالة (الحركيّة): الانتقال بالفكرة من الحال التبشيريّة والدعوة المجرّدة، إلى الحال التنظيميّة المحكمة، ثمّ إلى التنفيذ والعمل باتجاه هدف سياسيّ أو عسكريّ أو نهضوي. ونقصد بالحال (السكونيّة) النكوص والتقهقر من العمل على هدف سياسيّ نهضويّ، إلى الجمود على التنظيم، ثمّ الاكتفاء بالتبشير، والدعوة للمنهج مع الاختلاط بشيء من (الدروشة) في الأسلوب والاجتزاء، والتسطيح في المضمون، ثمّ تصل إلى حضيض السكون السلبيّ، عندما تتحوّل إلى مجرّد دعوة وظيفيّة يستعملها النظام المستبدّ، كأداة في ضرب ومقاومة التديُّن الحركيّ، وتسليطها عليه، ثمّ يتحوّل هذا التيّار إلى تيار مرتهن للسلطة ضمن تحالف تسمح السلطة بموجبه لهذا التيار بالتفرد بالساحة والدعويّة ضمن الخطوط التي تسمح بها، وتستأصل منافسيه أو تضعفهم، مقابل أن يمنح هذا التيار الشرعيّة السياسيّة للسلطة مقابل ما يتوهّم من مكاسب الدعوة.

التديّن كما قد يكون أفيون الشعوب، قد يكون جنوناً للشعوب، فالعقلنة الكابحة، للعاطفة الدافعة تستطيع موازنة الخطوات الحركيّة بشكل حكيم.

ولا فرق في هذا بين المعادلة: بين أن تكون الفكرة صوفيّة أو سلفيّة أو إخوانيّة أو مدرسة تقليديّة. خذ الدعوة الوهابيّة السلفيّة مثلاً، مرّت بمرحلة كانت فيها تمور بالحركيّة والفتوّة، فإخوان من طاع الله الذين شكلوا رأس الحربة القتالي في الدعوة الوهابية ،كانوا مصرين على إبقاء الدعوة الوهابيّة في حال زخم الحركة والامتداد وعدم الوقوف عند حدود معيّنة لكنّ حركتهم كانت تسير بتوتّر أسرع وأقوى من قدرة حاملها على مجاراتها، لذلك تضطرّ السلطة المتبنية للدعوة أن تقوم بعمليّة فرملة وشد للزمام، وإعادتها لحال السكون من جديد، حتّى لا تؤثّر على استقرار النظام السياسيّ وتهدم بنيانه الوليد، بل وتحويلها في كثير من الأحيان إلى أداة لضبط وتسكين للشعوب الثائرة، في دائرة وفلك هذه الأنظمة.

إنّ خوف السلطة الزمانيّة على مشروعها السياسيّ، أن يجهض بسبب الحركة التي لا تتّسم بالواقعيّة، والتي تسلك مسلك التصادم مع القوى العالميّة، يدفعها لضرب عجلة الحركة، وإيقافها تماماً، وتحويلها إلى دعوة سكونية، بل وتحويلها إلى قوّة تسكين لغيرها، فتعمل الدعوة في بعض أجنحتها كمسكِّن ومخدِّر للمجتمع، وممانعة ومقاومة للإسلام الحركيّ، ولباقي الجماعات والتيّارات الإسلاميّة التي تحول الخروج من هذا القمقم.

وكذلك الحركة (السنوسيّة) بعد استشهاد (عمر المختار) و(أحمد الشريف السنوسيّ) عادت للكمون في زمن (محمد بن إدريس السنوسيّ)، الذي أصبح كأنّه حاكم إيطالي في ليبيا. والحركة (المهديّة) تحوّلت هي الأخرى من الحركيّة إلى دعوة سكونية، وسلّم أحد قادتها سيف جدّه للإنكليز، وتحوّلت من مقاومة الاستعمار إلى أداة لتوطيد سيطرة الاستعمار.

إنّ خوف السلطة الزمانيّة على مشروعها السياسيّ، أن يجهض بسبب الحركة التي لا تتّسم بالواقعيّة، والتي تسلك مسلك التصادم مع القوى العالميّة، يدفعها لضرب عجلة الحركة، وإيقافها تماماً، وتحويلها إلى دعوة سكونية.

ما نريد قوله: إنّه لا يوجد مذهب أو فكرة حركيّة بطبيعتها، ومذهب وأفكار ساكنة بطبيعتها، لكنّ الفكرة نفسها قد تمرّ بموجات حركيّة وقد تمر بغيبوبة سكونيّة، تبعاً لما تتعرّض لها الفكرة من انتكاس أو صعود، فالمذهب السياسيّ السنيُّ بعد مأساة (الجمل) و(صفين) وفاجعة (الحسين بن علي) رضي الله عنهما، في (كربلاء)، وفشل ثورة (ابن الزبير) في (الحجاز) دخل في حال من الجمود والسكون المهادن مع الملك العضوض، ورضي بحكم المتغلّب، وشاعتِ الجبريّة (الأمويّة) التي جعلت الملك من أمر الله، يعطيه من يشاء من عباده.

قد تحتاج السلطة إلى تحريك بعض الأفكار الساكنة، لتوجّهها بحسب مصلحتها السياسيّة، ففي مرحلة المدّ الشيوعيّ واحتلال (أفغانستان)، رأينا كيف تمّ تحريك الفكرة الإسلاميّة والجهاد، لمواجهة الاحتلال الشيوعيّ، وفتح المجال للجهاد الأفغانيّ لاستقطاب شباب المسلمين، لكنَّ هذه الدول نفسها عادت لتعمل على إعادة الأمر إلى السكون عند انتهاء المهمّة، ومحاربة كلّ من يحمل هذه الفكرة، والأمر نفسه يتكرر في (الثورة السوريّة)، حين رغب بعضهم بجعلها مسرحاً للحركات الجهاديّة.

وهذا الأمر ليس خاصاً بالمسلمين فحسب، وقد رأينا في التاريخ كيف استطاع (هيرتزل) تحريك الفكرة اليهوديّة وحشد الشعب اليهوديّ، الذي كان يعيش حال الشتات والخنوع، من خلال الفكرة الصهيونيّة، ونقل اليهود من حال الشتات، إلى قوة فاعلة استطاعت من خلال ربط المصالح الاستعمارية أن تقيم لنفسها كياناً ودولة.

وكما استطاع (الخمينيّ) نقل التشيع من ثقافة الانتظار والندب واللّطم، إلى حركة تنظيميّة قويّة من خلال تحريك التشيع بنظريّة (الولي الفقيه) ذات البعد الأمميّ وتجنيد حتّى الأقليّات الشيعيّة في الدول المجاورة.
واليوم نشهد محاولات من بعض الأنظمة لتحريك الصوفيّة الساكنة، أو المؤسّسة الدّينيّة الرسميّة، أو السلفيّة المغالية في طاعة وليّ الأمر أو بإعادة تصنيع المؤسّسة الدينيّة الرسميّة، ، وذلك في سبيل توظيفها في مواجهة مع التيّارات الحركيّة المحسوبة على حراك الربيع العربي.

ولبعث صراع متوازن لا تكون فيه الغلبة لجهة معيّنة لكنّه يرهق التيّارات الإسلاميّة جميعاً في حروب بينيّة وجدالات أبديّة، تعطّل عجلة الإصلاح السياسي، ويأمن الاستبداد السياسيّ على نفسه من السقوط والمحاسبة، ومن هنا قد نفهم طبيعة الحرب الشاملة التي تشنّها الدول الداعمة للثورة المضادّة للربيع العربيّ، على حركة (الإخوان المسلمون)، هذه الحركة المتحيّرة أصلاً بين الحركيّة التامّة، كما هو حال حركة حماس التي تعبّر اليوم عن حركيّة كاملة، في الدعوة والتنظيم والمشروع السياسيّ والذراع العسكريّ.

وبين الاقتصار على المنهج الإصلاحيّ التبشيريّ وفصل الجانب الدعوي عن السياسي، هي حرب من أجل إدخال الفكرة الإخوانيّة في حال السكون المستسلم، ودفعها إلى سياق وظيفيّ غير مقلق للأنظمة السياسيّة ذات الشرعيّة السياسيّة الهشّة، بحيث تفقد الفكرة (الإخوانيّة) جاذبيّتها، وقدرتها على الحشد المستمرّ، من خلال تشويهها، وتشويه رجالاتها، وفَقْدِ ثقة الشعوب بها، باعتبارها جماعة تستخدم الدِّين للوصول إلى السلطة.

قد تحتاج السلطة إلى تحريك بعض الأفكار الساكنة، لتوجّهها بحسب مصلحتها السياسيّة، ففي مرحلة المدّ الشيوعيّ واحتلال (أفغانستان)، رأينا كيف تمّ تحريك الفكرة الإسلاميّة والجهاد.

أو إدخالها في حال من الحركيّة الجنونيّة، وصولاً إلى التطرّف لشرعنة القضاء عليها، تحت خطّة موضوعة مسبقاً، للقضاء على ما يسمَّى الإسلام السياسيّ تحت عنوان محاربة الإرهاب، ضمن معايير التصنيف الخاصّة بالسلطة التي لا تستند إلى أيّ معايير قانونيّة… لذلك لابدّ لكلّ جماعة تبحث عن الرشد السياسي في هذا المشهد المزدحم بالخصوم، من عمليّة موازنة، بين حركيّة غير متهورة، لا تمتلك مستلزمات الصراع والمواجهة والتي تنتهي بمواجهة غير متكافئة تفضي للانتحار والتلاشي وتبعثر الصفوف وانهيار التنظيم…

وبين السكون المفرط الذي يؤدّي إلى الموت السريريّ، والتحوّل إلى دور وظيفيّ لتأديّة طقوس الطاعة والترقيع والتجميل لدى الأنظمة الاستبداديّة، فالتديّن كما قد يكون أفيون الشعوب، قد يكون جنوناً للشعوب، فالعقلنة الكابحة، للعاطفة الدافعة تستطيع موازنة الخطوات الحركيّة بشكل حكيم، والمحافظة على التديِّن الحقّ في هذا الوادي السياسيّ الذي يعجّ بالذئاب المتوحّشة.