قبل الجزيرة.. بعد الجزيرة

blogs الجزيرة

حتى خصومها وكارهيها والمرتجفين من تبعات سياساتها التحريرية المنفتحة؛ لن يجادلوا في حقيقة أن واقع الإعلام العربي بعد (الجزيرة) لم يعد كما كان قبلها، وحتى لو اختلفنا مع جانب من نهجها الإعلامي إلا أننا لا يمكن أن ننكر متانة الأسس التي انطلقت منها، ووضوح المسارات التي سلكتها، مسارات المصداقية الكبيرة والالتزام العالي تجاه قضايا الأمة العادلة، وانحيازها للإنسان، ومساهمتها العملية والدؤوبة في تحرير الوعي من قيوده.

 

ولعل تأمل المشهد العربي قبل وبعد تلك الطفرة الإعلامية العربية الأهم سيضعنا مباشرة أمام جملة الأسباب والدوافع التي تحمل أنظمة كثيرة على استهدافها ومحاولة إسكاتها أو إجبارها على تغيير خطّها لتكون نسخة عن آلاف المحطات والمنابر الإعلامية التي تجثم على صدر واقعنا العربي، فتحول بينه وبين إبصار الأفق، وتنفّس الهواء النقي، والكتابة على جداره بكفّ متحررة من القيود، ورسم أحلامه كما يريدها هو لا كَما يقرر (ولاة أمره).

 

قبل الجزيرة:

تناسلت محطات كثيرة بهدف منافسة الجزيرة، وقدمت نفسها ناطقة باسم المواطن العربي، لكنها كانت فعلياً بوقاً للأنظمة أو لأجندة الممولين، فظلت حبيسة أدراج العتمة

– لم يكن مألوفاً أن تُفتتح نشرة أخبار عربية بغير سرد أحوال الزعماء ورصد تصريحاتهم وخطاباتهم، حتى لو كانت خاوية من القيمة، ولم يكن من مفرّ أمام المشاهد سوى أن يحفظ أسماء وألقاب وزراء الحكومات والمسؤولين في بلده رغماً عن إرادته، وأن يزدرد تفاصيل ملامح زعيمه وأبنائه وحاشيته حد التخمة، وأن تتراجع أخبار العالم من حوله لتحتل الدقائق الخمس الأخيرة في كل نشرة، حتى لو كانت مفصلية ومهمة.

 

– كان الوقت على المحطات الإعلامية مهدوراً لأجل مراسيم وطقوس يوميات الرئيس، وكانت تُعلن حالة الطوارئ في وسائل الإعلام مثلما تُعلن في الشوارع لأجل نشاط تافه للحاكم، أو كلمة له في زيارة جمعية أو افتتاح شارع أو استعراض لجيشه وحرسه.

 

– كان مفاجئاً وصاعقاً أن تشاهد من يهجو الحكام والحكومات ويفضح تواطؤهم مع الأعداء أو تآمرهم على شعوبهم من خلال شاشة تلفزيونية، لأن مثل هذا الفعل كان يتحدث به المواطن بينه وبين نفسه، أو ضمن دائرة ضيقة من الثقات في أحسن الأحوال.

 

– لم يكن هناك من يحلم بأن يسمع باسم الأحزاب والتيارات (المغضوب عليها) في بلده يتردد في فضاء إعلامي، فضلاً عن أن يشاهد أخبارها، ولم يكن وارداً أن يطالع خبراً أو يسمع تصريحاً يعارض أو ينتقد نظامه الحاكم.

 

– كانت مصطلحات مثل: (المعارضة)، (الثورة)، (المقاومة)، (إرادة الشعوب)، وغيرها، تعدّ من المحرمات، وإذا سُمح بها فبقدر ضئيل، وبما يخدم سياسة كل نظام يتيح إعلامه تداولها أو توظيفاً مقيّدا لها.

 

بعد الجزيرة:

انتقل مفهوم (الرأي والرأي الآخر) من ضيق الشعارات إلى رحابة التطبيق، فشاهده ومارسه المواطن العربي، وتفاعل معه، ونبذ بين يديه مفهوم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى)، وتطاول على محددات تحجيم صوته ورأيه ومدى أحلامه

– لم يعد رضا الحاكم غاية المنى، ولا رقابة مخابراته محدداً لما يقدمه هذا المنبر الإعلامي المنطلق بقوة في الفضاء العربي، والنافذ إلى قلبه كسهم يردي فيه مساحات الخوف والتوجس، ويغلق منافذ التضليل والوهم، ويحرره من الحاجة إلى تبجيل حاكمه مكرها.

 

– اهتز عرش محطات الإعلام المبرمج، وذي النبرة الممجوجة، والباعث على الملل، والمسبّح بحمد الحكام والملوك في كل ساحة. مادت الأرض من تحت مفرداته وتعبيراته النمطية وأساليبه المتحجرة، حتى فقدت صلاحيتها، وباتت مادة للتندّر والسخرية العلنية.

– تناسلت محطات كثيرة بهدف منافستها، قدمت نفسها ناطقة باسم المواطن العربي، لكنها كانت فعلياً بوقاً للأنظمة أو لأجندة الممولين، فظلت حبيسة أدراج العتمة، لأن شمس الحقيقة والمصداقية كانت أحدّ وأشدّ من أن تنعش أبصارها أو تنقش في ضمائرها أصول الإعلام الحر.

 

– أبصر العربي نوافذ كانت محجوبة بأستار النفاق والترهيب الفكري، أدرك أن للوقت قيمة، وأنه أثمن من تبديده في مطالعة أخبار معلبة ومقننة ومشوهة بعد تمريرها على مقص الرقيب كل يوم.

 

– تنفست مساحات الوجع في الأمة كلها، وظفرت مظلومياتها بمنبر ينقل الحقيقة بدون مساحيق، ويعلّق عليها دون أن يحدّ صوتَه سقف، ويحقق أثراً في أوساط الجماهير، ويصنع حالة من الوعي والإبصار، ويغري بالتحرر والتحرك والرغبة بالتغيير. فكانت الجزيرة مع فلسطين في أزماتها وحروبها وانتفاضاتها، ومع العراق عندما غزته أمريكا ثم تفجّرت مقاومته، ومع لبنان في العدوان الصهيوني عليه، ثم مع تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن في ثوراتها، ولاحقاً معها حينما هاجمتها حراب الثورة المضادة.

 

– انتقل مفهوم (الرأي والرأي الآخر) من ضيق الشعارات إلى رحابة التطبيق، فشاهده ومارسه المواطن العربي، وتفاعل معه، ونبذ بين يديه مفهوم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى)، وتطاول على محددات تحجيم صوته ورأيه ومدى أحلامه.

 

وبعد الجزيرة؛ بات بالإمكان أن يفتخر العربي بأن هناك أنموذجاً للإعلام الحر والصادق والمؤثر والملتزم تجاه قضاياه، وبأنه ظل عصياً على محاولات التطويع والكسر، وشبّ عن طوق الأجندة الخاصة، وبأن اتجاه بوصلته بقي محافظاً على مساره ومعياره، مثلما ظل دقيقاً في تحديد الاتجاه ولم يتواطأ مع الظلام للتعمية على العقول وتحجيب منافذها.

 

حسب (الجزيرة) اليوم أن التعاطف معها والقلق على مصيرها ينبعث من وجدان الشعوب وليس من أجندة الحكومات، فهذا وحده إثبات لأصالة خطها وصوابية مسارها

فهل كان منتظراً بعد كل هذا ألا يحاول أصحاب بيوت العنكبوت نسج خيوطهم حول عرشها؟ وحظرها من التحليق في آفاقهم، والاستماتة لإدخالها في غيابة جبهم المعتم والضيق لتكون نسخة عن إعلامهم، مرتضيةً بدور الببغاء، وممارسةً رقابة ذاتية على نتاجها، متطلباتها التقنين والتزييف والتشويه والتحوير والاجتزاء، وإبقاء الحقيقة مقنعة ومطاردة ومسحوقة.

 

وهل كان منتظراً في عصر الردّة عن كل جميل أدهش واقع العرب، من ثورات ومنابر إعلام ناطقة باسم الحرية أن تكون (الجزيرة) مستثناة من هذا الاستهداف؟

 

إنما حسب (الجزيرة) اليوم أن التعاطف معها والقلق على مصيرها ينبعث من وجدان الشعوب وليس من أجندة الحكومات، فهذا وحده إثبات لأصالة خطها وصوابية مسارها، وحسبها أن رافعي لواء الحرب عليها يمثلون نماذج القمع والترهيب وهدر الكرامة الإنسانية. وكما قال المتنبي:

" وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ… فهي الشهادة لي بأني كاملُ "



حول هذه القصة

U.S. Assistant Secretary of State for Democracy, Human Rights and Labor Tom Malinowski speaks to the media during his visit to Lalish temple in Shikhan, Iraq, February 24, 2016. REUTERS/Ari Jalal

قال توم مالينوسكي مساعد وزير الخارجية الأميركية السابق لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان إن من مصلحة الولايات المتحدة حل الأزمة الحالية بين قطر وجيرانها بطريقة سلمية وبأسرع ما يمكن.

Published On 14/6/2017
Flames and smoke billow as firefighters deal with a serious fire in a tower block at Latimer Road in West London, Britain June 14, 2017. REUTERS/Toby Melville

التهم حريق هائل برجا سكنيا مؤلفا من 27 طابقا في وسط العاصمة البريطانية لندن في الساعات الأولى من فجر الأربعاء بتوقيت مكة المكرمة، وهناك مخاوف من إمكانية انهيار المبنى بالكامل.

Published On 14/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة