فَلْتَسْكُت المآذن..

blogs - الأزهر

ما زلت أذكر تلك اللهفة التي كانت تصاحبني كلّ جمعة وأنا أنتظر عودة المصلين الأطفال من صلاة الجمعة، فهي عادة، الصلاة الوحيدة التي يُصطحبون بها إلى المساجد وكأنه يوم العيد. كانوا يحدثوننا بفحوى الخطبة حين عودتهم، نسمع منهم بأحرف متكسرة وكلمات غير مفهومة لنستنتج بعدها موضوع الخطبة، وما زالت حركة اليدين المرفوعتين للدعاء ماثلة في مخيلتي، تلك الحركة التي ينهون بها خطبتهم وبأحرف متلعثمة وخشوع مُقلّد يهتفون "آمين".

 كان لكل جمعة نصيب من موضوع مهم حاسم يلامس شغاف الواقع، ويهاتف صميم المنطق، ويزيل غشاوة التناوش والتعارك، موضوع يؤسس ويؤنس، يبني ويقوّم، يوسّع المدارك ويعمّق المفاهيم، يخاطب العقول والقلوب، ويحاور جميع الأعمار والأجناس، فكان الجميع ينتظر الجمعة بجمعتها وخطبتها. جدتي أضافت إلى حصيلة معلوماتها معلومة جديدة من بعد خطبة الجمعة الفائتة التي حضرتها بعليّة مسجد الحارة، أخي الصغير جاء وبجعبته لغز نقاش استنتجه من الخطبة، حتى جارتنا الثرثارة أضحت تنتقل من بيت لآخر في الحارة وهي تقص عليهم قصاصات رواية نُقلت إليها بالتواتر من بعد خطيب الجمعة.

اليوم لم تعد المساجد مساجدا، ولا الخطباء خطباء، ولا حتى الدعاء دعاء! فالمسجد للصلاة وفقط، فلا حلقات تحفيظ مسموحة، ولا دروس وعظ مفتوحة.

من ذاك المسجد خرج الصغار قبل الكبار "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" فقد رقت قلوبهم ولانت أصابع أيديهم فبُسِطت للمحتاجين، وذاك تراه يصطحب عائلته ليعود والديه رفقا وحنانا وشعاره "ووصينا الإنسان بوالديه"، وذاك متكئا على أحد أعمدة المسجد متسترا من دمعته التي فضحته يؤنب نفسه وهو التاجر الكبير صاحب الأموال بعد أن عرف ويلات الغش والربا. وهي تجهز الطعام سرحت مع الشيخ في خطبته التي تسمعها من الراديو فلم تدرك أوَضَعت الملح على الطعام أم لم تُملّحه بعد، فقد سرحت كثيرا في معاني الغيبة والنميمة وتذكرت ساعات قضتها تعلك لحم البشر!

وقريبا جدا من واقعنا الأليم، فقد كانت المساجد منبر التأجيج والحشد، كانت ميدان الاستعداد والبدء، كانت عرين الأباة ورفعة اللواء، كانت المساجد المحطة الأولى لانطلاق أي عمل فدائي مقاوم؛ فمنها انطلقت المظاهرات، ومنها تلهبت المشاعر وتفجرت الكلمات، فيها زُف الشهداء ومنها صدحت وصايا الاستشهاديين، في تلك المساجد ترعرعت الأسر الإسلامية وأُسّست، ومن تلك المساجد تخرّج الحفظة والقُراء، تلك المساجد كانت يوم أن كانت بؤرة الإسلام ومحور الدين وأساس الأمة.

تلك المساجد كانت وإن هي بعيدة عن جوهر الصراع في الوطن العربي والإسلامي، وإن هي بعيدة عن الأحداث الميدانية المشتعلة، فكان لها نصيب الأسد في الحشد وتأجيج المشاعر، كان يكفي تلك المساجد في قديم عهدها أن يقف خطيبها ويدعو، لترى الأكف تبتهل تضرّعا، والدموع تمطر رجاء، و"آمين" تسمعها بقلبك قبل أذنيك، ويكأن المسجد كله يهتز لدعائه وتأميناتهم، كانت تهتز الأرض من تحت أرجلهم كما اهتزت أكتافهم من خشوعهم وتضرّعهم، كان يكفي تلك المساجد بأن يدعو خطيبها "اللهم انصر أخواننا في فلسطين وحرّر أقصانا" ليبتلّ موضع السجود من غزارة الدمع، كان يكفي لتلك المساجد بدعوة " اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا" لتزلزل أركان المسجد برّمته بكلمة " آمين" و " يا الله".

أيبكيك الدعاء لوليّ العهد مثلا؟ أيزيدك خشوعا بأن يبارك الله في عمره ويعطيه الصحة؟! أم يهزّ أكتافك من هول دموعك الدعاء لوحدة أمة تفككت أوصارها؟!

وقياساً.. ما زلت أذكر تلك الحرقة في قلوب الناس – عامّة- حيال خبر منع الأذان في المسجد الأقصى، وكم الثورة العارمة التي أصابتنا جميعاً، إذ كيف لهم أن يمنعوا مسرانا من تكبيرات بلال، تكبيرات كلّما صدحت في أرجائه يخطر في بالنا عزة عمر عندما دخلها، وأنفة الأيوبي عندما حرّرها. تكبيرات ترن في آذاننا وتحيي نبض قلوبنا بأن الله أكبر، الله أكبر على كل من طغى وتجبّر، الله أكبر من ذلهم وسطوتهم، الله أكبر من غطرستهم واحتلالهم، الله أكبر من رؤوسهم يدكونها في حائطنا، الله أكبر من عنجهية اقتحاماتهم لمساطبنا، الله أكبر منهم ..!

غيمة صيف وانتهت القضية، ومرّت كما مرّ الكثير من القرارات قبلها، طُبقت أم لا، لكنها على الأقل كانت جس نبض، وتهييج مشاعر ماتت وربما لن تحيا من جديد، وعادت المآذن تصدح، والمؤذنون يترنمون بأصواتهم وكأن شيئا لم يحدث. أما اليوم، فليت المآذن تسكت، ليت المنابر تُخلع فلا يعتليها شيوخ السلاطين، ليت كليات الشريعة تُغلق وحلقات التجويد كلها تُمنع، فما فائدة أعداد من خرّيجيها لا نراهم، ولا نسمع ندى لأصواتهم؟ ما فائدة ورقة بأسماء الأئمة الذين يقرأون خطبهم من الأوراق متلكلكين؟!

فاليوم لم تعد المساجد مساجدا، ولا الخطباء خطباء، ولا حتى الدعاء دعاء!! أضحى كلّ شيء يخالف مضمونه! فالمسجد للصلاة وفقط، فلا حلقات تحفيظ مسموحة، ولا دروس وعظ مفتوحة، انشغل الأئمة وقلّ العدد والنوع، حتى الأصوات التي تجذبك للصلاة في تلك المساجد ندُرت، بالكاد تسمع صوتا تطرب له وتخشع بحضرته، فغالب موظفي الأوقاف شيوخ كبار هرمت أجسادهم، وهزلت أصواتهم، وطالت لحاهم، وزاد للحكّام ولاؤهم، وتفرّغوا في أجهزة أمن الدولة وحابوهم.

أما عن الخطباء؛ فباتت الخطب في غالب أوقاتها نسخ مدققة منسوخة توزّع على المساجد وتعمّم، يحرم على الخطيب التفوّه بغير حروفها، وعليه التقيّد بذلك شاء أم أبى، وإلا فأصحاب الصف الأول يقومون بالواجب، فقد بات معروف وواضح من يصلي في أول صف في عهدنا هذا! فلم يُخطئ الشيخ كشك رحمه الله في إحدى خِطبه: "لما كان يصلى كان يقول للناس في الصف الثانى والصف الثالث والرابع والخامس استقيموا للصلاة فسألوه والصف الأول يا مولانا؟! قالهم: لأ، دول مخبرين وأمن دولة جايين يتجسسوا علينا يستقيموا أو لا يستقيموا مش هينفعلهم صلاة"!

كان يكفي تلك المساجد بأن يدعو خطيبها "اللهم انصر إخواننا في فلسطين وحرّر أقصانا" ليبتلّ موضع السجود من غزارة الدمع.

وعن الدعاء؛ فحدث ولا حرج، فلهفة التضرّع والخشوع وُئدت وشلّت أركانها، تحاول متباكيا عصر عيونك لإسقاط دمعة كاذبة فتفشل، تجاهد نفسك لاستشعار الدعاء والانقطاع عن عالمك الخارجي فتفشل أيضا، أيبكيك الدعاء لوليّ العهد مثلا؟ أيزيدك خشوعا بأن يبارك الله في عمره ويعطيه الصحة؟! أم يهزّ أكتافك من هول دموعك الدعاء لوحدة أمة تفككت أوصارها؟! ويا أسفاه، إن حوّرت المساجد عن أهدافاها حتى في أكبرها وأعظمها، حتى في تلك المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، يا أسفاه أن ترى مسرى أو حرماً اجتمع فيه مسلمو الأرض قاطبة لتخطب فيهم عن الوضوء والطهارة مثلا!

فَلْتَسْكُت المآذن إن لم يحترم الخطيب حشد المصلين ليخطب بهم، ولْتَسْكُت المآذن حين تُنحى الأصوات الندية لتوضع بدلا منها أصواتا أقرب ما تكون لأقراص منوّم ومنفّر، وأخيراً، فَلْتَسْكُت المآذن إن لم تضف شيئاً على عقول وقلوب جمع المصلين، ولْتَسْكُت المآذن إن دُخِلت وخُرِج منها بذات القلوب الخاوية، فَلْتَسْكُت المآذن إن كانت وجهة حركات صلاة رياضية أرائي بها الناس!!



حول هذه القصة

قضت محكمة استئناف أميركية في مدينة سان فرانسيسكو باستمرار تجميد العمل بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع مواطني ست دول ذات أغلبية مسلمة من السفر إلى الولايات المتحدة.

13/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة