شعار قسم مدونات

ماذا ينقمون من قطر؟

blogs الأمير تميم
إن الهجمة على قطر بمحاصرتها وقطع العلاقات معها والسعي لعزلها عربيا ودوليا ليست سوى فصل من فصول الصراع بين القوى الحية في الأمة الداعمة للحريات والحقوق والديمقراطية في العالم العربي، وبين الأنظمة الاستبدادية العريقة في المنطقة وحليفها الغربي. ذلك الصراع الذي بدأت أفظع فصوله مع الهجمة المضادة التي أعقبت أحداث الربيع العربي. 
ويأتي الهجوم على قطر اليوم، بقطع العلاقات معها وحصارها من ذوي الرحم والقربى في شهر رمضان الكريم في ذات السياق.. سياق الثورة المضادة الساعية لإعادة إنتاج القمع والاستبداد السياسي والفساد والتخلف في العالم العربي وإيقاف مسار الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في العيش الكريم، هذا المسار الذي انتفضت من أجل تحققه الشعوب العربية في ثورات الربيع وأسرجت الأرض بالدم القاني في سبيله.

يأتي الهجوم على قطر وحصارها لأنها دعمت حق الشعوب في تقرير مصيرها ولم تنخرط في مسار الخزي العربي الهادف إلى خنق الشعوب ومصادرة حقها في الحرية وفي العيش الكريم، هذا المسار الذي تصدرته دولة الإمارات العربية المتحدة مع أول موجة من هجمات الثورة المضادة. وها هي اليوم تورط معها فيه المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، والنظام المصري الذي هو إحدى نتائج هذا المسار. ولكن ماذا جنت قطر حتى تتعرض لهذا الهجوم الظالم من الأشقاء في هذا الشهر الكريم؟

إنما ينقمونه على قطر هو أنها مثلت العنوان الأبرز في العقود الأخيرة، في دعم قضايا الأمة في المحافل الدولية وعلى أرض الواقع، وذلك من خلال مواقفها القوية في رفض الاحتلال وفي مساندة الشعوب العربية.

إنما ينقمونه على قطر هو أنها التزمت دائما بدعم قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ولم تنخرط في الجوقة التي يراد منها نزع أظافر الأمة وتركيع حركات الجهاد الإسلامي في فلسطين وحركات الإسلام السياسي، والترويج للإسلام الناعم الذي تتحرك هيئاته ومنظماته عندما تنتفض الأمة لكرامتها في وجه الغزاة والطغاة لتنقذ الاستبداد والاحتلال وتوقف زحف الشعوب المنتفضة لكرامتها، وتختفي عندما تشن الحروب الوجودية على الأمة.

ولا أدل على ذلك من أن هذه الهيئات التي كانت تستنكر حق الشعوب في الثورة والخروج على الحكام الظلمة وتصف ذلك بـ"الفتنة" وتؤيد قمع الحكام الظلمة وتقتيلهم للشعوب وتهاجم الشيوخ والعلماء الذين يفتون بغير فتواها ويرون غير ما ترى، ها هي اليوم تؤيد القرارات الجائرة ضد قطر، متناسية –وإنما قلت متناسية لأنها لا يمكن أن تكون ناسية لهذا الحديث الذي يحفظه الأطفال في الابتدائي- حديث النبي صلى الله عليه وسلم "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" (رواه البخاري)، فكيف بحصار الأشقاء ومنع الغذاء والدواء والكساء عنهم في شهر رمضان الكريم.. شهر الصدقة والبذل والعطاء والتكافل الاجتماعي؟!

إنما ينقمونه على قطر هو أنها نجحت، في أن تكون دولة تنموية ناهضة ولها تأثير وحضور كبير وأدوار سياسية ودبلوماسية مؤثرة في المنطقة؛ على الرغم من أنها هي الدولة الأصغر من ناحية السكان والمساحة في منطقة المشرق العربي، ولكنها الأكبر من ناحية المعنى والتأثير.

إنما ينقمونه على قطر هو أنها مثلت العنوان الأبرز في العقود الأخيرة، في دعم قضايا الأمة في المحافل الدولية وعلى أرض الواقع، وذلك من خلال مواقفها القوية في رفض الاحتلال وفي مساندة الشعوب العربية في تقرير مصيرها والوقوف معها ضد جلاديها، وفي المساهمة الفاعلة في دعم وإعمار الدول العربية والإسلامية التي تعرضت لكوارث بفعل الحروب أو بفعل العوامل الطبيعية.

إنما ينقمونه على قطر هو أنها خلقت جوا من الحريات والحراك الفكري والثقافي، في سياق يخيم فيه على العالم العربي وبالذات منه الإمارات والسعودية سُحُبٌ من القمع والتنكيل وتكميم الأفواه.

إنما ينقمونه على قطر هو أنها أسست شبكة إعلامية رائدة وفي مقدمتها قناة الجزيرة، المنبر الإعلامي الأبرز والأهم في العالم العربي خلال مسيرته الحديثة.. هذه القناة التي تعتبر أكبر وأهم مشروع أنجزته الأمة في عصرها الحاضر.. هذه القناة التي لم يكن للعرب قبل تأسيسها وجود.. هذه القناة التي بث الوعي وأَثَّرَتْ في اتجاهات الرأي من خلال كشف الحقائق الخفية والمستورة -التي كان يغطيها الإعلام المُزيف- من الجرائم والانتهاكات التي تمارس ضد الشعوب العربية، فكانت بحق هي صوت الشعوب العربية الذي يغرس الوعي ويبشر بالأمل.

إنما ينقمونه على قطر هو أنها خلقت جوا من الحريات والحراك الفكري والثقافي، في سياق يخيم فيه على العالم العربي وبالذات منه الإمارات والسعودية سُحُبٌ من القمع والتنكيل وتكميم الأفواه ومنع أي رأي يخالفه التوجه العام، حتى صارت وجهة لكل الأحرار في العالم.

ولكنهم إن يحاصروا قطر ويمنعوا عليها الطعام والكساء والدواء في الشهر الفضيل، فإنهم لا يستطيعون أن يحاصروا أو يحبسوا مشاعر الشعوب العربية التي هبت في العديد من البلدان بما فيها السعودية والإمارات ومصر والبحرين للتعاطف مع قطر ورفض القرارات الجائرة ضدها من خلال المظاهرات والكتابة والتدوين.