صيام القلوب..

مدونات - مسجد

تحل علينا العشر الأواخر من رمضان كما جرت على ذلك العادة منذ زمن ليس بالهين والأمة الإسلامية في حال سيئ، مسلوبة الإرادة، غير محفوظة الكرامة، وأسوأ من ذلك كله، موغلة في وحول الجهل والتخلف الفكري والأخلاقي. مرت أيام رمضان سريعة كالبرق، وبقيت أخرى يبدو أنها عاقدة العزم على أن تنافس سبيقاتها فتمر أسرع.

في المغرب كما في بلدان أخرى، لا يمكنننا أن ننكر أننا مازلنا بعيدين عن تذوق معاني رمضان السامية، فالصيام عند كثيرين منا لا يلبث أن يصير فترة عن الأكل والشرب، ومرادفا لإيقاع اخر للسير اليومي للحياة، يسخر فيه الليل للسهر، والنهار للكسل، وبعد الغروب للأكل ومتابعة رداءة المنتوج التلفزي العربي. وسط هذا تكتظ الأسواق بالناس والأغذية تماما كما لو كان رمضان موسم تنافس للظفر بالمأكولات، وفي كل حي شباب عاطل ينتظرون قدوم موعد الإفطار وهم ماضون في لعن من لا ترتدين الحجاب، يحسبون أنفسهم دعاة للفضيلة! في غالب الأحيان يفطر هؤلاء بسيجارة ويزجون الوقت في اللهو واللغط.. في الطرقات، الأعصاب متأججة، حوادث السير ترتفع كما أعصاب الصائمين بجنون.. انفعال، توتر وعصبية. المساجد على غير العادة مكتظة بالناس منهم من يصلي، ومنهم من يتذكر كيف يصلي.. مؤسف حالنا..

ما نراه يوميا في محيطنا وفي الداخل الإسلامي عموما، سواء أتعلق الأمر بتعامل الأفراد فيما بينهم في إطار الروابط المجتمعية، أو بالعلاقات بين الدول الإسلامية وما تعرفه من تشنج وفتور، يؤكد بالملموس زيف منهج إقبالنا على عبادة الصيام.

إن الصيام الذي يرضاه الله ليس ذاك الذي نمتنع به عن الطعام، ولا هو قراءة كمية للقرآن دون جهد لغرض تدبر آياته، ولا هو إقبال على النوافل وترك للفرائض، إننا ونحن نقدم على أفعال من هذا القبيل، ننأى عن العبادة التعبدية التي أمرنا بها ونظل لصيقين بالعبادة في شقها التخلصي الذي لا يحقق الحكمة التي وجدت من أجلها فريضة الصيام، متمثلة في الثبات على تقوى الله في كل مكان وظرف، بما يحقق السعادة وفق وجهة نظر الدين الاسلامي.

إن من بشاعة الخطأ النظر إلى الصيام كما لوكان تقليدا موسميا ذا بعد اجتماعي أكثر منه تعبدي وفكري، والفرق بين الوجهتين كبير، فأما التصور الأول فهو نظر إلى الصيام بأسلوب كمي، يرتبط فيه بمدة زمنية تترك فيها النواهي وما إن تنتهي هذه المدة إلا ويعود الصائم إلى ما كان عليه سلفا كما لوكان فعل الصيام غاية في حد ذاتها، وأما التمثل الثاني فهو ارتقاء بالنفس من مرتبة تغلب عليها المادية إلى مقام من السمو الروحاني، يصبح فيه الصائم أبعد نظرا وأكثر قوة، فالصيام هنا وسيلة لفهم جهاد النفس فعلا وممارسة .

إن التطور في استيعاب ما في عبادة الصيام من أسرار وتباين أفهام الناس وأفعالهم في التفاعل مع شهر رمضان له ارتباط بما أصل له الإمام الغزالي رحمه الله، حينما فَرَّقَ بين ثلاثة مراتب في باب الصيام، وهي صيام الأكل بما فيه من قصور فهم، وصيام الأطراف الذي تتسامى فيه جوارح الانسان عن الخطأ، فلا تقدم إلا على الحسن من الأفعال، وأما ثالث المقامات وأعلاها مرتبة، فهو صيام القلب وهو مرتبة عظمى من الزهد التعبدي والأخلاقي والفكري.

إننا ونحن نقف على عتبات أواخر معدودات وفضليات مطالبون بضرورة إدراك عمق الحكمة في فرض الصيام علينا، وبلورة هذا الإدراك على شكل سلوكات مجتمعية إيجابية، تماما كما كان يفعل الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم-، فكان سخيا بطبعه في سائر الأيام، لكنه كان أجود ما يكون في رمضان. هنا نلمس كيف بوسع عبادة الصوم أن تحررنا من شح مادي ومعنوي وتصبح بعدها فضيلة منتجة لفضائل سامية، من قبيل الكرم والتضامن والصبر والتواضع والإيثار، وكل هذا من الخير العظيم الذي علينا اقتفاءه ونحن صائمون.

ليست العشر الأواخر من رمضان حفلة من الحفلات لنستقبلها بالثريد والمأكولات، ولا مهرجانا حتى نرتمي بين أحضان الأفلام والمسلسلات، إنها رباط وجهاد وتربية وادخار للطاقة وسط عالم زاخر بالتقلبات

إن ما نراه يوميا في محيطنا وفي الداخل الإسلامي عموما، سواء أتعلق الأمر بتعامل الأفراد فيما بينهم في إطار الروابط المجتمعية، أو بالعلاقات بين الدول الإسلامية وما تعرفه من تشنج وفتور، يؤكد بالملموس زيف منهج إقبالنا على عبادة الصيام، فالصيام الصحيح جنة للصائم من الوقوع في الأمراض المجتمعية التي تنخر جسد الأمة اليوم.

إن حاجتنا شديدة اليوم -في ظل قصور تمثلنا لعبادة الصيام وسطحية تعاطينا لها- إلى وقفة مع ذواتنا نواجه فيها بحس نقدي جريء ما وصلت إليه سلوكياتنا وأفعالنا وطرق تفكيرنا من انحطاط، تتنافي مع حكمة إقرار الصيام. والحديث النبوي الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- "إن من لم يدع قول الزور والعمل به ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" غني عن الشرح من شدة وضوحه.

ليست العشر الأواخر من رمضان حفلة من الحفلات لنستقبلها بالثريد والمأكولات، ولا مهرجانا حتى نرتمي بين أحضان الأفلام والمسلسلات، إنها رباط وجهاد وتربية وادخار للطاقة وسط عالم زاخر بالتقلبات، هي فرصة لإحياء ضمير أخلاقي وإنساني كان قد مات، لحسن الحظ الوقت ما فات، وهذا نداء صادق من القلب إلى قلوب الصائمين أن أحسنوا الصوم، وارتقوا من صيام الأكل إلى صيام آه ما أحوجنا إليه.. صيام القلوب.