شعار قسم مدونات

حصار قطر.. حرب على العقل وبقايا الشرف العربي

Palestinians take part in a rally in support of Qatar, inside Qatari-funded construction project 'Hamad City', in the southern Gaza Strip, June 9, 2017. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa

لم تكن أزمة العلاقات القطرية السعودية وما جرجرته عباءات أمراء الممالك المسدولة من خشاش الدول والكيانات الطامعين في فتات الريع الذي تغدق به عليهم كل عام لشراء الذمم وتسول دعوات الأئمة بالطاعة لأولياء الأمر، لم تكن هذه الأزمة وليدة حادثة عابرة أو سوء تفاهم بين عائلتين حاكمتين، بقدر ما هو تباين عميق بين إرادتين متمايزتين وتخندق للطرفين على جبهتين مختلفتين وسياسة خارجية تحمل تنافسا وسعيا لتسويق صورة عن نموذج حكم عربي متميز.

و رغم كل ما جمع الكيان الخليجي من محطات حاسمة في الصراع الدائر بالمنطقة وتحالفات عسكرية عدة، وسلسلة من الاتفاقات المالية والاقتصادية والأمنية في مجلس التعاون، وما يجمعها أيضا من عناصر الولاء والارتماء في الحضن الأمريكي سياسيا وعسكريا وماليا، إلا أن هذا التجانس بدأ يتصدع شيئا فشيئا لعدة عوامل أساسية مرتبطة بخيارات وطموحات كل دولة وتداخل فواعل دولية أججت هذا التباعد ونسفت بين عشية وضحاها بحصار أشبه بإعلان حرب على قطر.

طموحات قطر الخارجية في تدعيم حضورها الدولي وتسويق صورة البلد عبر وسائط دبلوماسية واقتصادية ورياضية وخيرية وغيرها جعلها تكسب مواقع تسببت في الازعاج للمملكة العجوز وللإمارة المراهقة.

ما هي محددات الأزمة:
1. المصالح الأمريكية ومطالبها المتزايدة من المنطقة والتي بلغت حد الابتزاز لدول الخليج وفق قاعدة الرئيس الجديد ترمب -لا حماية بدون دفع مقابل- والتي تهدف إلى انعاش الاقتصاد الأمريكي المتعثر.

2. تنامي أطماع الكيان الصهيوني في تصفية القصية الفلسطينية وفرض بيئة جديدة قابلة للتعايش التام مع دول منطقة الشرق الأوسط، وسحق أية مقاومة شعبية أو رسمية تتعارض مع هذه الإرادة، بعد سنوات من التطبيع غير الرسمي وجهود اللوبيات الصهيونية التي أصبحت مستحكمة في عمق القرار العربي.

3. شروع منظومة الصهيونية العالمية في تنفيذ مخطط متوسط وبعيد المدى للهيمنة الشاملة على المنطقة العربية والإسلامية والقضاء على كل مهددات الاستقرار وعوامل النهوض، وكسر محاولات صناعة توازنات إقليمية خارجة عن دائرة هذه المخططات.

4. تنامي الدور الإيراني في المنطقة بعد تسوية ملفه النووي وإبرام اتفاقه مع الغرب، وتحالفه الاستراتيجي مع روسيا والتحاق تركيا بما يشبه محورا جديدا ونجاحه في فرض طوق على الجزيرة العربية يمتد من إيران والعراق وسوريا إلى لبنان، ومعالم تشكل وتحالف استراتيجي إيراني روسي مضاف إليه تركيا بما يشبه محورا جديدا، ومع صعود ترمب ورفضه للاتفاق مع إيران تسارعت الممالك لكسب وده وتصوير نفسها أنها الرهان الوحيد للحد من طموحات إيران في الهيمنة على المنطقة ولعل أبرز تجل لهذا ما شهدته قمة الرياض التي كانت بالفعل الشرارة التي أشعلت الأزمة.

لماذا قطر؟ ترتبط قطر بالمحددات السابقة عبر عدة مسارات انتهجتها بإرادتها:
– الدعم المتميز والمستمر بكل الأشكال للمقاومة الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني ن واحتضان رموز مقاومته وفعالياتها.
– طموحات قطر الخارجية في تدعيم حضورها الدولي وتسويق صورة البلد عبر وسائط دبلوماسية واقتصادية ورياضية وخيرية وغيرها مما جعلها تكسب مواقع تسببت في الازعاج للمملكة العجوز وللإمارة المراهقة.
– امتلاكها لسلاح إعلامي متمثل في شبكة الجزيرة الرائدة في الإعلام العربي والمؤثرة جدا في الرأي العام عبر سنوات من نشاطها وتوجهاتها المتحررة والنقدية للواقع المترهل للنظام الرسمي العربين ودورها المتميز في نقل الأحداث وتعرية الإعلام الحكومي البائس والميتور عن الواقع وعن تطلعات الشعوب ومعاناتها.
– احتضان قطر لحركية فكرية وسياسية مشهودة عبر فعاليات دولية وإقليمية متواصلة أسهمت في اجتذاب نخب ورموز صناعة الوعي العربي واحتضان نقاشات لم تتسع لها باقي الدول.

مهما بدت عناصر قراءة المشهد في بدايته صادمة ومشؤومة على المنطقة إلا أن إرادة الله وصمود قطر ونجاحها في التأقلم مع الوضع الجديد وبناء تحالفات إقليمية ودولية تمكنها من الخروج من الشرنقة العربية – الصهيونية المسمومة.

مما تقدم يمكن تقريب الفهم لبعض عناصر الأزمة الخليجية ومن خلالها يمكن تصور مآلات تطورها،، وماهي احتمالات صمود قطر وتدخل فواعل دولية جديدة تزيد من تعقد الوضع العربي وتؤجج لصراعات لا تنتهي وتزيد في استنزاف مقدرات الأمة وثرواتها وترهن مستقبل الأجيال لعقود من الزمن، وتدفع بالقضية الفلسطينية إلى زوايا ضيقة تمكن الاحتلال الصهيوني من تنفيذ سياساته ومخططاته، وستتحمل السعودية تاريخيا المسؤولية المباشرة والكبرى عن تطور الأوضاع بقدر ما ستكون أكبر المتضررين.

ومهما بدت عناصر قراءة المشهد في بدايته صادمة ومشؤومة على المنطقة إلا أن إرادة الله وصمود قطر ونجاحها في التأقلم مع الوضع الجديد وبناء تحالفات إقليمية ودولية تمكنها من الخروج من الشرنقة العربية – الصهيونية المسمومة، وسوف تصنع في النهاية توازنات جديدة وستضطر الولايات المتحدة للتعامل معها بعقلانية متبرئة من حماقات العرب بعد أن تقبض الثمن مرة ومرتين ومرات.

ولسوف يصنع الرأي العام الحر العربي الإسلامي جبهة للصمود في وجه محاولات بيع فلسطين والتطبيع مع الكيان الصهيوني، ورفض المهازل التي شوهت صورة الإنسان العربي والمسلم وهو في عز شهر الرحمة والتي رسمته أمام العالم مجردا من كل القيم الإنسانية والأعراف الدبلوماسية والالتزامات القانونية الدولية، ناهيك عن المصالح المشتركة الضائعة والمسارات الوحدوية الطويلة التي ظهرت فعلا حبرا على ورق وأن العرب لا عهود بينهم فكيف بعهودهم مع الغير.