"الخيانة العظمى".. مذكرة اتهام!

مدونات - السيسي
لم أكن يوماً في مسيرتي المهنية، ميالاً للرمي بالتخوين، أو الرجم بالخيانة، وعندما صدرت صحيفة الحزب الناصري في مصر "العربي" وهى تحمل عنواناً تمدد على ثمانية أعمدة، يصف الرئيس السادات بـ "الخائن الأعظم"، قبل سبعة عشر عاماً، كتبت محذراً من شيوع هذا الاتهام، فيصبح متداولاً في الحياة السياسية، بعد أن يراه الناس في صحيفة سيارة، وعندما أقامت أسرة السادات دعوى قضائية ضد الجريدة، مشيت في المصالحة بين الطرفين، وقد نجحت في ذلك بعد جهد جهيد وأخذ ورد، وكان من بين دوافعي لذلك هو قطع الطريق على استخدام اتهام "الخيانة" في الخلاف السياسي، واعتبرت أن إبرام اتفاق تعلن فيه الصحيفة أنها تأسف على ما فعلت يكفي لطي هذا الملف.

هذه مقدمة أراها ضرورية، ونحن على البر، فلست من الذين يستهويهم تخوين الغير، والتساهل في الاتهام بالخيانة، لخطورة الاتهام، وهو الذي يقترب من الرمي بـ "الكفر" في أمور الأديان والعقائد، لكن ماذا يمكن أن نفعل في مواجهة من يكفر فعلاً، هل نكون أرحم عليه من نفسه فنقول أنه مؤمن؟.. وماذا نفعل مع من يمارس الخيانة العظمى، هل نصفه بأنه وطني شريف؟!

عبد الفتاح السيسي يعلم أن الشعب المصري لن يؤوب معه، وقد يصل به الحال لدرجة أنه لن يجد مندوبين يمثلون السلطة في لجان الاستفتاء في طول الوطن وعرضه!

أقول قولي هذه بمناسبة احتشاد سلطة الانقلاب في مصر، من أجل أن تبرر تفريطها في التراب الوطني؛ بالتنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير"، وهو الأمر الذي لم تقدم عليه سلطة في مصر من قبل، فالشاهد أن الاحتلال الأجنبي، كان حريصاً على حدود المحروسة، فلم يفرط ولم يتنازل عن شبر من أرضها، لكن فعل هذا حاكم مصري، سبق وصفه بـ "الدكر" وأن له خلفية عسكرية، بحجم "الفيل أبو لزومة"!

ومنذ أن أعلن عبد الفتاح السيسي، أنه تنازل عن "تيران وصنافير" بناء على نصيحة "الست الوالدة"، التي ربته على عدم الطمع في حاجة الغير، فإن تنافساً من نظامه للبحث عن مسوغات تبرر هذه الفعلة الشنعاء، ولأول مرة نشاهد نظاماً يناضل من أجل التنازل عن قطعة من أرض الوطن، فتكتب الحكومة عريضة تأكد فيها عدم مصرية الجزيرتين، وفي تقرير حمل عنوان "أبرز التساؤلات ونقاط التحفظ حول اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية"، وتم الدفع بها للبرلمان، الذي يجتمع هذه الأيام لإقرار سعودية الجزيرتين، وهى مذكرة ترقى إلى أن تكون عريضة اتهام بالخيانة العظمى لهذه الحكومة، وهى -لمن لا يعلم- جريمة لا تسقط بالتقادم.

واللافت، أن هذا الاحتشاد لدولة السيسي يأتي في مواجهة حكم قضائي نهائي وبات، من واحدة من أعلى المحاكم في مصر، وهي المحكمة الإدارية العليا، وقد أكد الحكم على مصرية الجزيرتين، وجاءت حيثياته لتعزف "وقد استقر في عقيدة المحكمة أن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها، وأن دخول الجزيرتين ضمن الأراضي المصرية ما أنفك راجحاً رجحانا يسمو إلى اليقين، ذلك كأثر لسيادتها المستقرة من ناحية، وأن الحكومة لم تقدم ثمة وثيقة أو شيء أخر يغير أو ينال من هذا الأمر".. وهذا هو بيت القصيد!

فالسلطة المحتشدة الآن كان أمامها أن تصول وتجول في ساحات المحاكم وقد نُظرت القضية أمام محكمة أول درجة (القضاء الإداري) وأمام المحكمة الإدارية العليا، لكنها لم تقدم "ثمة وثيقة" تؤكد المعنى الذي تقوله الآن، وفي مذكرة تعتمد على أقوال مرسلة، مثل الادعاء بأن المملكة العربية السعودية "فوضت مصر بإدارة الجزيرتين منذ عام 1950 لحمايتها من أي نوايا عدوانية من دولة إسرائيل الناشئة حيث لم تكن السعودية تملك إمكانيات عسكرية وبحرية بشكل يمكنها من التصدي لأي عدوان إسرائيلي محتمل"!

هكذا دون تقديم سند الملكية، وما يثبت التفويض، ودون أن نعرف سر إبقاء السعودية لها بعد أن استردتها مصر ضمن ما استردته من أراضي بموجب اتفاقية السلام مع إسرائيل، وقد ثبت لها أن مصر عاجزة عن حمايتها، فقد احتلتها إسرائيل ضمن الأراضي المحتلة بعد هزيمة سنة 1967؟، ولماذا سلمت إسرائيل بمصريتها -والحال كذلك- ومن ثم سلمتها إلى مصر، ولم تعاملها معاملة قطاع غزة الذي كان يخضع للإدارة المصرية، وقامت إسرائيل باحتلاله، ولم تطلب مصر بعودته، ولم يكن أرضاً للتفاوض بموجب اتفاقية كامب ديفيد، مع أنه لو صح أمر الملكية السعودية، وإدارة مصر
للجزيرتين بموجب تفويض، لكان يسري على "تيران وصنافير" ما يسري على القطاع!

وقبل هذا وبعده، فإذا كانت الدولة السعودية تأسست سنة 1933، فلأي بلد كانت تخضع الجزيرتين قبل هذا التاريخ، وهل كانتا مملوكتين لقريش، ولزياد بن أبيه مثلاً، وعثر هناك على حطام سيارة تحمل لوحات مكتوب عليها "ملاكي قريش"؟!

بدون أخذ ورد، ولت وفت، فإن التفريط في الجزيرتين، ليس بهدف البيع، كما يحلو للبعض أن يقول ويستدعي تراث "عواد" الذي باع أرضه في الفلكلور المصري الشهير، ولكن هذا التنازل هو لصالح إسرائيل، لتتحول المياه الإقليمية إلى دولية لا يكون لمصر عليها من سلطان، ولا يمكنها مستقبلا أن تقدم على ما فعل عبد الناصر من إغلاق المضايق، فيترتب على القرار شل حركتها الملاحية!

الإقدام على عملية التفريط تضع المفرطين تحت طائلة المادة (77) من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمدا فعلاً يؤدي إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها>

وفي التسريبات الخاصة بقناة "مكملين" استمعنا إلى وزير خارجية السيسي وهو يراجع بنود اتفاقية التفريط مع المستشار القانوني لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بالحرف والكلمة، وبالنقطة والفصلة، وهو ما يدفع للإسراع في التنازل، وبالمخالفة للدستور، الذي بلغ من اهتمامه بقيمة التراب الوطني، أن نص عليه في مادته الأولى فمصر "موحدة لا تقبل التجزئة ولا ينزل عن شيء منها.."، ثم جعل من قسم الرئيس وأعضاء الحكومة ونواب البرلمان، هو العمل على الحفاظ على الوطن وسلامة أراضيه، وحصن الأرض بالنص في المادة (151) منه على عدم جواز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة.

وإذا تجاهلنا هذا التحصين، واعتبرنا أن هذا التنازل عن "تيران وصنافير" يدخل في إطار الأمور مع الدول الأخرى التي يجوز لرئيس الدولة أن يبرمها ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، فإن هذا يستدعي عرضها على الاستفتاء، كما تنص المادة السابقة، لكن عبد الفتاح السيسي يعلم أن الشعب المصري لن يؤوب معه، وقد يصل به الحال لدرجة أنه لن يجد مندوبين يمثلون السلطة في لجان الاستفتاء في طول الوطن وعرضه!

ومن هنا، فإن الإقدام على عملية التفريط تضع المفرطين تحت طائلة المادة (77) من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمدا فعلاً يؤدي إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها. ونصت الفقرة (هـ) من ذات المادة على إنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لكل شخص كلف بالمفاوضة مع حكومة أجنبية في شأن من شؤون الدولة فتعمد إجراؤها ضد مصلحتها!
وجاءت المادة (85) فقرة (أ) من قانون العقوبة لتوضح المقصود بعبارة "البلاد" الواردة هنا، بـ "الأراضي التي للدولة المصرية عليها سيادة أو سلطان"، وهو ما يسري على الجزيرتين!

إن من مارس الخيانة مع سبق الإصرار والترصد لن نخيب ظنه ونرميه بـ "الوطنية"، فالكذب خيبة، كما قال المصريون القدماء.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة