شعار قسم مدونات

أردوغان في مواجهة كونفدرالية الأكراد السورية

مدونات - الأكراد
لم تمر الحرب الأهلية في سوريا على الدولة التركية مر الكرام بل إنها منذ اندلاع الثورة السورية في بدايات فترة ما عرف بالربيع العربي في المنطقة العربية والدولة التركية تتطلع لنتائج الثورة السورية باهتمام كبير بحكم أنها من دول الجوار في المنطقة العربية وبحكم أنها دولة إسلامية.

ومع تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية طاحنة بسرعة قياسية في غضون بضعة أشهر ودخول قوة إقليمية في تحالفات عسكرية وغير عسكرية مع مختلف أطراف الصراع السوري، وتركيا في حالة استنفار عسكري على حدودها الجنوبية منذ أواخر عام 2011 إلى يومنا هذا، وتوسعت حالة الاستنفار العسكري على حدود تركيا مع العراق مع ظهور ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية والمعروف اختصارا باسم داعش بإعلان زعيمه أبوبكر البغدادي عن قيام دولة خلافة إسلامية في 29 يونيو 2014 على أرض العراق وسوريا من على منبر جامع نور الدين الزنجي الواقع في مدينة الموصل وهو مسجد قديم شاهد على تاريخ حافل بالنضال ضد الصليبيين، ودعا منه مسلمين العالم بالنفير إلى أرض الخلافة المزعومة.

أردوغان أعلن أن القوات التركية لن تنتهي مهمتها عند تطهير الحدود السورية مع بلاده من وحدات حماية الشعب الكردي بل يجب أن تشارك في أي معركة مقبلة في سبيل تحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم داعش وبدون مشاركة أي من القوات الكردية.

ومع توسع هذا التنظيم على أرض العراق وسوريا وإعلان أمريكا وحلفائها عن قيام حرب عالمية على الإرهاب، بات الجميع ينتظر توزيع الأدوار والحلفاء على الأرض السورية والكل يترقب الوكيل الذي سيتعامل معه في حربه على الإرهاب على أرض هاتين الدولتين (العراق وسوريا)، ومن هنا نشأ الخلاف بين أمريكا وتركيا الحلفاء في حلف شمال الأطلسي، فتركيا وهي ثاني أكبر مكون في حلف شمال الأطلسي وفي ضوء معرفتها بأن أمريكا تزاحم روسيا على توسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط رأت أنها هي أفضل حليف ممكن لأمريكا وحلف شمال الأطلسي للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية ومنع إخلاء الساحة لنظام الأسد حليف روسيا العسكري في المنطقة.

ولكن أمريكا كان لها رأيٌ آخر فمنذ اندلاع الثورة السورية وحدوث تصادم عسكري بين قوات الحكومة السورية وقوات المعارضة المسلحة في أواخر عام 2011 وأمريكا تنتظر الحليف الأكثر موثوقية من أجل مواجهة أي قوة معارضة مسلحة يمكن أن تشكل تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة ويمكن استغلاله لبسط رؤيتها في تشكيل مستقبل الدولة السورية وكانت أمريكا بحاجة إلى طرف يعتبر من أقل مكونات النسيج الشري السوري ويمكن تسليحه وإمداده بالقوات الأمريكية بحجة محاربة الإرهاب وبحجة أنه من مكونات المجتمع السوري فوجدت في المكون الكردي السوري الخيار المناسب من أجل تنفيذ مخططها فتم تشكيل وحدات حماية الشعب الكردي في نهاية عام 2011 وكانت بداية صدام وحدات حماية الشعب الكردي مع قوة المعارضة التي تشكل تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة حسب رأيها هي ما كان يسمى بجبهة النصرة قبل فك ارتباطها بتنظيم القاعدة.

وفي ذلك الوقت لم تكن وحدات الحماية الكردية مشكلة بشكلها الحالي، وانتهاء أول صدام عسكري بين وحدات حماية الشعب الكردي وبين تنظيم جبهة النصرة في بلدة رأس العين في عام 2013 بانتصار قوات وحدات حماية الشعب الكردي وهو ما زاد ثقة البيت الأبيض بهذه القوات الناشطة على الحدود السورية مع تركيا من أجل مواجهة المسلحين الإسلاميين، ولكن هذه الوحدات كانت بحاجة إلى فصائل أخرى من أجل التقدم خارج كردستان الغربية في شمال سوريا فتم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في عام 2015 والتي تضم فصائل عربية ضعيفة عسكريا وأقل عددا بحيث تبقى القوات الكردية هي المسيطرة وتم إمدادها بعناصر من القوات الخاصة الأمريكية.

ومع وصول ترمب لكرسي الرئاسة في 2017 تبلورت النظرة الأمريكية بسرعة كبيرة باتجاه تنظيم داعش المتشدد وباتجاه حكومة الرئيس الأسد فأعلن ترمب أن عامه الأول في البيت الأبيض سيكون عام القضاء على الإرهاب في سوريا حسب وصفه، وها هو مجلس النواب الأمريكي يصادق على تسليح وحدات حماية الشعب الكردي المتواجدة في الشمال السوري وإمدادها بالمزيد من عناصر القوات الخاصة الأمريكية لكي تشرف على تدريب هذه القوات وتشرف على توجيهها في أرض المعركة باتجاه الرقة عاصمة الخلافة تحت غطاء طيران التحالف الدولي بقيادة أمريكا وهو ما أثار حفيظة الدولة التركية التي تنظر لوحدات حماية الشعب الكردي على أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يستهدف القوات التركية بهجمات مسلحة داخل حدود الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي وهو ما تعتبره تركية بالإضافة لكل من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي على أنه تنظيم إرهابي.

وإذا استذكرنا عملية درع الفرات في 2016وهي أول حملة عسكرية أطلقتها الدولة التركية في العمق السوري منذ اندلاع الثورة السورية في عام ،2011 وتم ذلك بتوغل الثوار السوريين المنضوين تحت راية الجيش السوري الحر وبمشاركة قوات خاصة تركية، وأعلن عن انتهاء عملية درع الفرات في 29 مارس 2017 باستعادة السيطرة على مدينة جرابس الحودية والعديد من القرى المهمة في الشمال السوري وكان الهدف من هذه العملية كما أعلن الرئيس التركي أردوغان هو طرد جميع الجماعات الإرهابية الناشطة على حدود سورية مع بلاده وكان يقصد بالجماعات الإرهابية كلا من تنظيم داعش ووحدات حماية الشعب الكردي، ولكن أردوغان أعلن أيضا أن القوات التركية لن تنتهي مهمتها عند تطهير الحدود السورية مع بلاده من وحدات حماية الشعب الكردي بل يجب أن تشارك في أي معركة مقبلة في سبيل تحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم داعش وبدون مشاركة أي من القوات الكردية.

ماذا ستفعل تركيا من أجل مواجهة الطموح الكردي المتنامي داخل حدودها وبمحاذات حدودها في الداخل السوري وفي الداخل العراقي في بناء دولة كردية مستقلة؟

وها نحن اليوم نرى كيف أن وحدات حماية الشعب الكردي تتقدم داخل مدية الرقة التي اتخذ منها التنظيم المتشدد عاصمة لخلافته، واستطاعت وحدات حماية الشعب السيطرة على العديد من قرى محافظة الرقة وهو ما أثار المخاوف من تهجير السكان العرب وتغيير الطبيعة الديمغرافية في المناطق التي تدخلها القوات الكردية، ويرافق الأكراد عناصر من القوات الخاصة الأمريكية وبتغطية جوية من المقاتلات الأمريكية المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة داعش.. فهل ستقبل تركيا بهذا الوضع؟ فالأكراد على الجبهة الأخرى في العراق أعلنوها صراحة أنهم لن ينسحبوا من أي مدينة يدخلوها ويحرروها من قبضة التنظيم وسيضموها لدولة كردستان العراق، وفي خضم هذا التنافس الكردي مع الحكومة المركزية في العراق دخلت المليشيات الإيرانية على خط المواجهة بقيادة قاسم سليمان لتوسيع نفوذها وتدشين ما يسمى بالكوريدور الإيراني الذي يصل إيران بريا بالعراق ومن ثم سوريا وصولا إلى الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط وهو مايسهل الدعم اللوجستي الإيراني لنظام الأسد.

فالوضع اليوم على الأرض السورية يشير إلى بناء دولة كونفدرالية سيكون للأكراد السوريين منطقة مستقلة خاصة بهم على الحدود مع تركيا وهو ما يشجع حزب العمال الكردستاني في تركيا على الاستمرار في نزاعهم المسلح مع الدولة التركية والمطالبة بالاستقلال عنها وسيساهم في إمدادهم بالمزيد من الدعم اللوجستي.. فماذا ستفعل تركيا من أجل مواجهة الطموح الكردي المتنامي داخل حدودها وبمحاذات حدودها في الداخل السوري وفي الداخل العراقي في بناء دولة كردية مستقلة؟