في الحكاية.. لأنكم بَصَقتم في وجه الريح

blogs - نيتشة
في الخامس عشر من أكتوبر من العام أربعة وأربعين ثمان مائة وألف، زار الكون رجل وصف بني جلدتي ورحل، كما أبدع في وضع الكلمات بمكانها توصيفاً دقيقاً لدرجة الخُبث التي وصلت إليه البشرية، كما أنذر بحدوث الأكثر خبثاَ فيما سيأتي، واليوم لسنا هنا لتلخيص فلسفته أو إنتاجاته بل هي فقط إشارة منا، لأننا لا نتعلم الحِكم فيما مضى وبعيدين كل البعد عن الواقع، فنُعطي الكذِب وأوثانه كل مفاتيح أغلالنا التي ربطوا بها الرِّقاب مُنذ سِنين خلت، إنني أحدثكم عن الذي نصح الرُعاع نصيحة لم يكترثوا لها منذ الأزل، حينما قال لهم "إياكُم والبُصاق في وجه الريح" – فريديريك نيتشه.
 
ليته حاضر اليوم لأقول له، للأسف لقد بصقنا في وجه الريح ولو رأيت حال رُعاع هذه الرقعة العربية سيؤلمك الخاطر، فقد صرنا نثير شفقة الناظر، بالرغم أن قصتنا بسيطة بساطة غباء الحيلة التي انطلت علينا، أ تعرف لماذا يا "فريديريك"؟ لأننا أقنعنا بل أوهمنا المِخيال أن صناديق الاقتراع تأتي بالقرار الشعبي والديموقراطي، فما كان منا سوى بُصاقا في وجه السياسة فبَصق أشباه الساسة من دون استثناء في وجوهنا، فلم نعد نُحسن التفريق بين أعداء اليمين وأعداء الشِمال.

نعم أعْمَانا البُصاق وصِرنا نحاول التخلص من بقاياه التي لطخت أيام عمرنا السريعة، ومع كل خمس سنوات نحاول تخليص الوضع من نتانة الخيوط التي لم نعرف طريقها والقطع معها، خيوط تدلت فسادًا وكسادًا في كل جدران رسمية وسياسية ومجتمعية، ولم نعرف أصل وبائها الاشتراكي أو الاتحادي أو الاستقلالي، أم ظلامي هو الذي أرخى بعتمته على الرعاع وضاعف في موطني عدد الجهلاء، صدقني يا "فريديريك" لقد حل البلاء الذي قلت فيه يوما "أدَرت ظهري للحاكمين عندما رأيت ما الذي يسمونه حكمًا.. السمسرة والمساومة – مع الرعاع! بين شعُوب ذات لسان غريب، عِشت بأذنين مسدودتين كي تظل بعيدة عن مسمعي سمسرتهم ومساومتهم على السُلطة..".

لا يؤلم من ما زال مصدقا الكثير من الأحجيات، في موطن تُقسِم الوجوه الصدئة بأغلظ إيمانها أن البلد تتطور وتجاوزت مرحلة الخطر، وهي تعيش أسفل الإسفلت وتتهم القدر.

عذرًا أيها الرجل للأسف بصقنا كثيرا في وجه الرياح العاتية ونتلقى بالمقابل مثلها بين الفينة والأخرى، فإننا اليوم كالذي يتلصص من بين البِنصر والوُسطى حاجبا الرؤية أو ممتنعا عنها، نضغط على ظلم مظلم قد أكل الدواخل فينا لنخفيه، لم نعد نحسن سوى عيش النعامة ونخاف الكثير من النكت كتلك التي أسموها بـ"الفتنة" ونتحاشى الحديث عمن يغرز مسامير الجور فينا، ونقنع العقل وننهره على أن يستمع لوهم طالما تحكم فيما تراه العين، وإن كان واضحا فاضحا فحينها لن يذخر البعض منا جهدا في التطبيل للمنكر والناكر وصُنّاعه.

فتجد الكثرة يرددون خطيئة السماسرة دُعابة فتصير عرفاَ مقبولا بالتقادم، وطقسًا من طقوس الكائنات النحاسية التي تضرب بها جيوب المغلوبين والغلابة من تحت الطاولات والجلسات الخمرية، وكل ذلك بالتهريج والتنكيت خلف الميكروفونات التي صارت ذليلة كما دقق في وصف ذلها الزميل "طلحة جبريل"، فترى القِطعان تسير خلف الجموع تتغنى بـ"القرار سياسي" و"الإرادة الشعبية" و"حكمة المرحلة" وو…، والكثير الكثير من التفاهة لتخفيف ضغط الأعصاب وترميم الأعطاب، تلك التي خلّفها الاختلاس ونهب قوت الناس، على الرغم أنه ليس في القنافذ أملس و"الخراثيث لا تلد إلا الخراثيث" كما أردد بلساني من قول "هيراقليطس" حينما يستفزني أثرنا الخبيث.

من مراكش حتّى طنجة، هكذا حال من أصادفهم في رحلات العمل والبحث عما تبقى من مخلفات أدمغة مختنقة بربطات أعناق فاخرة، فلا جهد لنا من رد أو صد لها ولهرائِها، سوى آخر سطور الحسرة التي نفرغها حبراً في صفحات أرصفتنا.

بموطني جماجم لم تدرس السياسة، ولا تعرف مكان ارتشاف المعرفة عنها، ولا حتى طريق المكتبات الضخمة التي تبيع حِكمَها كُتباً، لكنها تعلم علم اليقين أن بالموطن ذاته تماثيل لن تتحرك حتى وإن نـﮔزتها نـﮔزاً في أوسع جراحها الدملانة، فما بالك أن تأتي على حق الشعوب من أخضر ويابس، فلا يؤلم إلا مشهد لواحد من الناس ما زال مصدقا الكثير من الأحجيات، صنعتها دموع الذكور التي بَكَت كالنساء، في موطن تُقسِم فيه الوجوه الصدئة بأغلظ إيمانها أن البلد تتطور وتجاوزت مرحلة الخطر، وهي تعيش أسفل الإسفلت وتتهم القدر، فتجدك متسائلا مفتوح الفاه مصدومًا بأسئلتك في كل اتجاه، هل فعلا قِطاعات الصحة والتعليم ومساكن كالقبر هي ضرب من ضروب القدر؟

ولغباء الأدلة الذليلة، نتاج أمخاخ قد تراها تفخر بذاك على متن قطار لم يتغير، سبق وتركه المستعمر فيلخص الحال، وينخرط البئيس من بني وطني يمدح فيه منتفخي البطون، على أنغام خرخرة قاطرة بنكهة وديان الصرف الصحي الوفية الرفيقة لسكة السفر.. من مراكش حتّى طنجة، هكذا حال من أصادفهم يوميا في رحلات العمل والبحث عما تبقى من مخلفات أدمغة مختنقة بربطات أعناق فاخرة، فلا جهد لنا من رد أو صد لها ولهرائِها، سوى آخر سطور الحسرة التي نفرغها حبراً في صفحات أرصفتنا الباردة، تلك التي تطأها أقدام نفس الأجساد التي رضت لأوطاننا الذل والهوان ببصاقها المتتالي، فحولت البلد مطرحًا لقاذورات الساسة والضفة الأخرى بهوًا للضيوف، ويا للأسف مازلنا نصر البُصاق في وجه الريح.