هل هو حقّا ميّت؟

قبل ما يقارب سبعة عشر عاماً في العاشر من يونيو، كانت سوريا في حداد، محطات التلفاز اُقفلت، لا برامج ولا مسلسلات، فقط النشرة الإخبارية التي نعت وفاة "حافظ" وآيات تُتلى على روحه لا احتفالات لا مدارس ولا أيّ شيء، الشعب كلّه انتشر في الساحات يرتدي الثوب الأسود، جميعهم ينوحون ويبكون، متنافسين في ذلك كلّ حسب درجة الخوف في نفسه، يتساءلون خفية في أنفسهم، هل حقّاً هو ميت؟! هل سنستطيع فتح أفواهنا بعد اليوم؟! سنتحرر سنقضي على الظلم و العبوديّة؟ّ! وظلّ الناس على ذات السجيّة فبعدما أمنوا موت جسد الظالم الذي أرهبهم بشعار للأبد، جاء ابنه ليخلفه ويتابع مسيرته، لتهلك البلد..

أبدع حافظ الأسد في فنون التعذيب سواء الجسدي أو الروحي، ما ترك أثراً عميقاً في نفوس الشعب عامة، من خوف ورهبة، من حرف أو كلمة يُذكر فيها الحاكم أو ما يمسّ السلطة، وفي هذا اليوم أحيا السوريون الأحرار ذكرى وفاته بطريقتهم، منهم من حكى أحداث ووقائع ذاك اليوم، وكأنّ كارثة حلّت في الأرض، ومما ذُكر في رواية أحدهم عن تلك الواقعة، يتحدث فيها عن هول الناس ومدى الرعب الذي زرعه حافظ الأسد في نفوسهم لدرجة أنّ الناس تمشي وكأن الطير على رؤوسهم، وكلّ الذين يمشون في الشارع حداداً عليه في يومها، يعتقد بغيره أنّه من المخابرات، هم على يقين بأنّ جسده مات لكن أذرعه لازالت على الأرض، لدرجة أنّ هناك الكثير ممن أُغمي عليه لوفاة قائده الخالد للأبد.

بعد ما يقارب عشرة أعوام أنتفض الشعب السوري عن صمته، وحطمّ الهواجس والخوف الذي كان يردعه، ويؤكد المعارضون بأنّهم لم يثوروا على حكم بشار لنفسه، بل على حكم أبيه الذي لا زال يتمدد، وما أرادوه من هذه الانتفاضة القضاء على شرعية هذا النظام وحكمه لذاته لا للإطاحة بنسخته.

ويُثبت رهبة حافظ في أجهزته المخابراتية كما ذكر أحدهم، أنّهم كرروا سورة طه مراراً وتكراراً في جنازته، ليبقى على مسامع شعب عاش في ظلّ حُكمه شقيّاً، ولازال إلى يومنا هذا حيّاً في عقول الكثير من أتباعه.. ومنهم من أطلق هاشتاغ، (كنّا عايشين)، يتبعه قصص مؤلمة لوقائع حدثت في ظلّ دكتاتوريته، كيف عمّ حيّ بأكمله الذعر والصمت، لمجرد أنّ أحد بيوت هذا الحي تمّ مداهمته من قبل المخابرات، واعتقال ربّ البيت، لذنب اقترفه الأب حينما دعا بصوت عالٍ أمام أطفاله على حافظ الأسد لما أذاقه إيّاه من ظلم، فحكت طفلته الأمر لمعلمتها في الصف، فكان مصير الأب مجهولاً بعد ذلك اليوم، وقصص كثيرة بتفاصيلها تم ذكرها للعيان ليعلموا كيف كانوا يعيشون، إلّا أنّ لبان هيمنته وإرهابه السلطوي لازالت تسري في عروق الكثيرين ليومنا هذا..

وقد أجمع محللون ومؤرخون على معاناة الشعب السوري في فترة حكم حافظ، ومدى الخوف والرعب الذي تملكهم والذي لم يسبق له في تاريخهم، ولا حتى من قبل الاحتلال، وأبرز دليل على ذلك شنائع وجرائم ابنه اليوم في حقّ الشعب الذي خرج عن صمته، يقول المؤرخون بأنّ الشعب السوري بالفعل قد تحرر قليلاً بعد وفاة حافظ على الرغم من خلافة ابنه له واتباعه ذات السياسة، إلّا أنّه غيّر قليلاً من طرائقه، وسنح بشيء من حريّة الكلام عن الفساد في البلد وذكر مسؤولين وذوي مناصب وملاحقتهم، ضمن منهجية كانت أذرع أبيه وأتباعه من اكتتبها وخطّتها، إلّا أنّه لم يكون بذات الرهبة التي كانت لأبيه، فهذا مدفعه لفتح منفذ لشعبه.

وبعد ما يقارب عشرة أعوام أنتفض الشعب عن صمته، وحطمّ الهواجس والخوف الذي كان يردعه، ويؤكد المعارضون بأنّهم لم يثوروا على حكم بشار لنفسه، بل على حكم أبيه الذي لا زال يتمدد، وما أرادوه من هذه الانتفاضة القضاء على شرعية هذا النظام وحكمه لذاته لا للإطاحة بنسخته، هذا الحاكم الذي تُوّج بصفات ليس بصفات إنسان عادي، فهو ليس كأيّ أحد وكما زرعها في عقول الكثيرين أنّه الأب لهذا الشعب، وهتفت له مخابراته وأتباعه بشعارات وهُتافات تلقنّها الناس وحفظها وصارت ورداً في كلّ مناسبة، بدءاً من المدارس المصنع الأول لتربية جيل بعيد الأمد، والتي كانت تبتدأ صباح يومها الدراسي بتحية للقائد الخالد، وتعمّ الهتافات ما إن حلّت مناسبة شوارع البلد، ونصّب نفسه بأنّه العون الأكثر فاعلاً لوحدة الأمة العربية، بدءاً من تظاهره بترابطه الوثيق بقضايا الأمة من فلسطين إلى لبنان وشعاره المعهود أمّة عربية واحدة، ودعوته للاشتراكية..

ولا زال السؤال متداولاً بين الناس هل هو حقاً ميّت؟ّ! هذا السؤال الذي طرحه أولّاّ مذيع التلفزيون السوري حينما نعى خبر وفاته والذي كانت يداه ترتجف حزناً أم نفاقاً، أو خوفاً من أن ينهض الميّت أمامه..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة