مزمار ‏‏‏‏عبسلام‏‏ متى يتوقف؟

تَظَل جموع المسلمين في بقاع الأرض كافة يغمرها الشوق لهذا الشهر الفضيل بنفوس ملت الهجر وقلوب اكتساها سواد بفعل الذنوب، وهي على أمل في هذا الشهر المبارك أن تجد هذا البراح الذي يتسع لقلوبها حتى تستريح من ضيق خانق لازمها طوال العام، ضيق أصابها بفعل البعد عن منهل السكينة.

تلك السكينة التي تتعطش القلوب لها، وهي في انتظار تلك النفحة بفارغ صبرها، وتستحضر في أذهانها حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – عن محمد بن مسلمة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا". رواه الطبراني.

تبقى النفوس على تلك الحالة من الشوق لاستقبال هذا الشهر المبارك، إلى أن يقتحم عليها سكينتها هذا الصوت المزعج الذي سئمت سماعه طوال العام، وظنت أنه سيتوقف إجلالًا لهذا الشهر، ولكن هذه المرة أتى مضاعفًا يكاد يصم الآذان، إنه مزمار عبد السلام أو كما يقول العامة: مزمار عبسلام!

ما تحمله تلك المسلسلات الهزلية ما هو إلا طاعون، ويكون في أوج قوته في هذا الشهر الكريم، ويستهدف المجتمع كله بلا استثناء، ولن يتوقف حتى يقضي على كل فضيلة.

وهنا يمثل لي هذا المزمار صورة لكل ما يجذب النفوس إلى القاع، وهي ترنو إلى الرقي والمعالي في هذا الشهر الكريم، فينضوي تحت مظلة هذا المزمار المزعج كل من المسلسلات والبرامج والأغاني والإعلانات، والتي إن أراد أحد متابعتها فلن يكفيه اليوم كاملًا دون نوم حتى يستطيع مشاهدتها كلها، فعندما نستعرض ما أعدته شركات الإنتاج الفني من أعمال درامية حتى تعرض في رمضان هذا العام نجد أرقام خيالية تخطت كل الحسابات المنطقية.

ففي رمضان هذا العام فقط تعرض على الشاشة 55 مسلسلًا دراميًا، أي ما يفوق ضعف عدد ساعات اليوم الواحد على افتراض أن الحلقة الواحدة تستقطع ساعة واحدة من الوقت، وتخطت تكلفة تلك المسلسلات تكلفة هي الأكبر في تاريخ الدراما ككل، فقد تخطت التكلفة الكلية لمجموعة الأعمال الدرامية المعروضة في رمضان هذا العام نحو 2 مليار جنيه.

أما عن البرامج، والتي تتميز بـالهزلية والابتذال، فحدث ولا حرج، أرقام خيالية لا نسمع عنها إلا في ميزانيات الدول، كل هذا من أجل هذا الشهر فقط، وبهذا المشهد المزعج المليء بالضوضاء، وهذه الصورة المشوهة يبقى السؤال قائمًا لمصلحة من تنفق كل تلك المليارات في دولة يحيى 30 مليون من سكانها تحت حد الفقر، ويعاني أبناؤها من بطالة تخطت حاجز الـ 13.3 بالمئة في أخر إحصاء رسمي.

أما عن البعد الأخلاقي وأثر هذه المسلسلات على المجتمع فهو سلبي بكل المقاييس، فما يعرض من خلال تلك الأعمال المبتزلة كفيل بهد واقتلاع البناء القيمي للمجتمع من جزوره وإحلال مكانه ثقافة جديدة مشوهة تنشر البلطجة والعشوائية والعنف وعدم احترام القانون وهدم الروابط الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة.

أما الاجيال الجديدة فهي أرض خصبة لتلك الثقافة المشوهة لم تحرث بعد، فهي تعشش في أذهانهم وتستحوذ على عقولهم؛ فتنتج لنا جيلًا جديدًا بتركيبة متناقضة، فلا يستطيع التمييز بين الطيب والخبيث والغث والسمين، جيل صدق فيه قول الله تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ". النحل ( 76 ).

يبقى السؤال قائمًا، لمصلحة من تنفق كل تلك المليارات في دولة يحيا 30 مليون من سكانها تحت حد الفقر، ويعاني أبناؤها من بطالة تخطت حاجز الـ 13.3 بالمئة.

وما تحمله تلك المسلسلات الهزلية ما هو إلا طاعون، ويكون في أوج قوته في هذا الشهر الكريم، ويستهدف المجتمع كله بلا استثناء، ولن يتوقف حتى يقضي على كل فضيلة ما زال المجتمع يحتفظ بها، وتصبح هي المنهل الذي يستقي منه الأجيال الحاضرة والقادمة القيم السيئة؛ لتصنع منهم مجتمعًا مشوهًا لا يقدم ولا يأخر.

أما عن الحل فهو حل مؤقت ويكمن في أن نغلق آذاننا ونغمض أعيننا عن تلك الأعمال وعدم إضاعة أوقاتنا في متابعة أي منها، وأن نشغل أنفسنا بالطاعة، وأن نغلق هذا الباب من الأساس، وأن ننعزل بأنفسنا عنها بالعبادة والتقرب إلى الله واستثمار هذا الشهر الذي يمتلئ بالنفحات والبركات من الله، ولحين الاستبدال بهذه المنظومة الفاسدة التي تصدر للمجتمع الرذائل والقيم الهدامة أخرى تستثمر الفن في نشر الفضائل والقيم البناءة يبقى هذا الحل هو حلٌ مؤقت في محاولة لإسكات هذا المزمار الذي لوث حياتنا وأفسد مجتمعاتنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت مصادر ليبية للجزيرة إن عميد بلدية بنغازي والقيادي البارز بالنظام السابق عبد الرحمن العبار نجا من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة أمس، لكنه أصيب مع 13 آخرين جراء التفجير.

الأكثر قراءة