روائع التجديد عند المفكر محمد المختار الشنقيطي

تعاني معظم الجماعات الإسلامية المعاصرة اليوم من عنصر التقليد والانكفاء على القديم دون وضع خطط استراتيجية لمواكبة التجديد الفكري الذي يعد عنصرا مهما في تطوير الحياة الفكرية للأمم، ولله در محمد حسين هيكل عندما ذهب إلى الاتحاد السوفيتي قبيل سقوطه بعامين، ورأى التقهقر الفكري لدى كهنة موسكو تنبأ وتكهن بسقوط الاتحاد السوفيتي، فلما سئل عن ذلك: أجاب بغياب الفكر والهمة فكان ما كان من سقوط للاتحاد السوفيتي، وهذا الجمود الذي تعاني منه الأمة الإسلامية طرأ نتيجة التمسك بالتراث القديم والبحث عن الخلافات المذهبية الطائفية الضيقة والتي أنهكت الأمة وأدخلتها في دوامة من الصراع الطويل مع ذاتها فخسرت أبنائها وخسرت مرجعيتها وهويتها.

أجاز الشافعي فعال شيء، وقال أبو حنيفة لا يجوز. بيد أن الله عز وجل يقيض للأمة رجال يحملون في صدورهم همة وعزيمة وفكر ثاقب ينقبون عن التراث ويظهرون جوانب النقص والخلل ويوضحون للأمة كيفية الحلول الناجعة وتشخيص الداء، كما قال أهل الطب أصعب من علاجه. ولقد سهرت متأملا مع مشكلات الحضارة لمالك بن نبي أقول عنها مستفهما مستعلما: لماذا جل تركيزه على المشكلات ولم يركز على الحلول بقدر كاف؟ فعلمت بعد التأمل أن مالك بن نبي -رحمه الله- كان يسعى لمعرفة المشكلات وتوضيحها لأن أي دولة تختلف مشكلاتها عن أختها فعندما تعلم الدولة المشكلة التي تعاني منها تهطع لحلها.

من روائع التجديد الفكري عند الشنقيطي دعوته الشمولية الوسطية الرائعة التي غايتها جمع الأمة ووحدتها في المواقف المصيرية بدل التخاذل والتناطع والتلاعن والتباغض، فكل مقومات الوحدة موفورة في هذه الأمة وهي تعيش في شطط الاختلاف.

محمد المختار الشنقيطي والتجديد الفكري الإبداعي
إن القارئ لمؤلفات محمد المختار الشنقيطي ومقالاته الرصينة التي تلامس تامور القلب يعي الفكر التجديدي الراقي الذي يحمله في طيات أفكاره والمرتكزة أساسا على مبدأ (الإنصاف) فرسالته المعنونة بـ "الخلافات السياسية بين الصحابة" هي ليست رسالة تاريخية فحسب وإنما هي فكرية من الطراز الأول وهي دعوة للأمة الإسلامية أن تعمل بقاعدة (قدسية المبادئ ومكانة الأشخاص) وأن تستفيق من سباتها العميق في التقديس والتعظيم والتحسر على الماضي، وكما يقول الفلاسفة إن الأمم الراشدة هي تلك الأمم التي تقسو على ماضيها لتبني مستقبلا مشرقا، وقاعدة قدسية المبادئ ومكانة الأشخاص غابت عن الأمة ردحا من الزمن بحجة التعصب المذهبي التاريخي الفكري، وإننا في الحقيقة أمة تقدس التاريخ وتجله وتحترمه ولكنها لا تنقب عن أسراره ولا تتعظ بنتائجه. قال شوقي: وآثار الرجال إذا تناهت *** إلى التاريخ خير الحاكمينا.

وقد كانت الأمة الإسلامية طيلة القرون الماضية تعمل بمقتضى بيت أبي الطيب المتنبي في البحث العلمي والفكر الإسلامي: وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا. فإما أن تجد المفكر الباحث متأثر موال ينطبق عليه صدر البيت بحيث تكون عين الرضا لديه عن كل عيب كليلة فيغفر لشيخه الخطايا ولا يتحدث عن الأخطاء التاريخية التي وقعت في منهجه ومذهبه.
وإما أن يكون معاد منفعل ينطبق عليه عجز البيت ولكن عين السخط تبدي المساويا بحيث ينقب عن أخطاء مخالفه ولا يعذره ويصنف المصنفات الجليلة للرد على أخطاء مخالفه ويقول عنه مالم يقله مالك في الخمر.

أما المفكر الشنقيطي فقد كان واسطة العقد الذي حوى الطرفان فكان مبدعا في التجديد ومبدعا في الفكر مثله مثل ابن حزم الأندلسي الذي يقول :أنا الشمس في جو العلوم منيرة *** ولكن عيبي أن مطلعي الغرب. فإشراق شمسه من الغرب من بلاد شنقيط جعلت له قوة علمية ورصانة متينة أبدع في وصفها شيخنا القرضاوي في توطئة بعض مؤلفاته.

ومن المزايا التي حباها الله للشنقيطي ملامسته لعدة ثقافات عالمية وتخرجه في جامعة غربية من الولايات المتحدة الأمريكية أضفت عليه قوة النظر الحقيقة الصائبة لأنه ينظر إلى المجتمعات بزاويتين شرقية وغربية. بحيث أمكنه ذلك من فقه فلسفة التاريخ بلغات عدة والتاريخ الذي يكتبه الغرب يختلف عن التاريخ الذي ننقبه نحن ونفتخر به، فكلانا لديه وجهة نظر في تفسير الأحداث التاريخية، وعندما يكون المفكر المبدع ململا باللغات والمؤلفات الغربية يكون بذلك مؤهلا للغوص في لب الثقافات ليترجم لنا الواقع المعاش والمرآة المعكوسة عن ثقافتنا. ونقول للشنقيطي: فغص بفكرك لاستخراج جوهره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره.

وهذه الرؤية الفكرية الرائعة في تعدد اللغات كانت غائبة عند عدد كبير من كبار المفكرين الإسلامين فالبعض نهل من الثقافة الشرقية دون أن ينهل من أختها الغربية، والبعض نهل من الغربية دون الشرقية. فلذلك كان القصور الملاحظ في تجديد الفكر الإسلامي عند كثير من العلماء، ولعل رسالة الشنقيطي المعنونة بـ "أثر الحروب الصليبية في العلاقات السنية الشيعية" خير دليل على ما أقول وشاهد فقد كانت عبارة عن عدة آراء شرقية وغربية في فلكور حضاري إنساني إسلامي.

والمتتبع للشنقيطي وإن كان قد مكث في الغرب لسنوات طوال فإنه يدرك مدى تأثره بالحضارة الإنسانية الإسلامية والفكر الإسلامي، فقد أخذ عن العلامة القرضاوي قوة البحث والبيان العلمي، وأخذ عن إقبال الشاعرية الإسلامية وقوة المبادئ، وأخذ عن الترابي تعدد الثقافات واللغات وسلامة المقاصدية والغايات، وأخذ عن مالك بن نبي إنسانية الحضارة الإسلامية والذب عنها وأستعار من علي عزت بيجوفيتش دمج الإسلام السياسي بالواقعية والاتزان.

الفكر الإسلامي اليوم بحاجة إلى تجديد من أي فترة زمنية مضت، لأن المائة عام قد أدركت وأوشكت أن تدرك جميع الجماعات الإسلامية. فمن الواجب أن نكتشف مواطن الخطأ والقصور من خلال إجراء لعملية التجديد الإسلامي في الفكر وكلنا مسئولون عن ذلك.

ومن روائع التجديد الفكري عند الشنقيطي دعوته الشمولية الوسطية الرائعة التي غايتها جمع الأمة ووحدتها في المواقف المصيرية بدل التخاذل والتناطع والتلاعن والتباغض، فكل مقومات الوحدة موفورة في هذه الأمة وهي تعيش في شطط الاختلاف. وقدد جدد الشنقيطي نفس المسألة التي تحدث عنها الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري في كتابه الخلافة بحيث تكون الخلافة عبارة عن عصبة أمم شرقية وهي نفس الفكرة التي قال بها مالك بن نبي في مقترحه في كتابه "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" حيث طرح فكرة الكومولنث الإسلامي، ففكرة وحدة الأمة الإسلامية هي الغاية التي يحب السعي نحوها حثيثا ولن تكون تلك الوحدة إلا بالتنازل عن المصالح الشخصية وتقديم المصلحة العامة للأمة.

وإني لأسأل الله عز وجل في هذا الشهر المبارك أن يحقق وحدة هذه الأمة الإسلامية، وأن يجمعني بمحمد المختار الشنقيطي في أقرب وقت لأكون تلميذا له ينهل من فكره وعلمه ويخطط معه لإقامة مجتمع إسلامي يعتز بنخوة الكواكبي وحكمة عبدالحميد بن باديس ودعوة مرشد المنار محمد رشيد رضا ومقاصدية وإجتهادات شيخه محمد عبده وطموح ورؤية جمال الدين الأفغاني وفقه دعوة الإمام حسن البنا. فالفكر الإسلامي اليوم بحاجة إلى تجديد من أي فترة زمنية مضت، لأن المائة عام قد أدركت وأوشكت أن تدرك جميع الجماعات الإسلامية. فمن الواجب أن نكتشف مواطن الخطأ والقصور من خلال إجراء لعملية التجديد الإسلامي في الفكر وكلنا مسئولون عن ذلك.

واختم برائعة الشاعر محمود غنيم:

يا رب قد أصبحت أهواءنا شيعا
فامنن علينا براع أنت ترضاه
راع يعيد إلى الإسلام سيرته
يرعى بنيه وعين الله ترعاه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

لعل أبرز ما في رسالة الشيخ القرضاوي إلى حركة الجهاد الإسلامي لغة ومضمونا، هو الجرعة الإيمانية التي تضمنتها الرسالة، والتي استمطرت دموع بعض المحبين والمخلصين من أبناء الجهاد والشعب الفلسطيني.

الأكثر قراءة