خطاب راعي البقر

لم نشهد منذ عقود هذه السّرعة المفرطة في تحقيق بنود القمم مثلما رأيناه في القمّة المنعقدة أخيرا في الريّاض، قلب نجد، أين يطلع قرن الشّيطان وتزرع بذور الأزمات والفتن، مبطّنة بلباس إسلامي لتعطيها الشّرعية اللّازمة في حصول تحقّقها المشؤوم، حتّى وإن كان ذلك من شيطنات راعي البقر الأمريكي فإنّه سيجد الصبغة السّحريّة ليبدوا في نظر المغرّر بهم كأنّه الخلاص الأوحد.

تتجلّى هذه السّرعة في تحقيق بنود وقرارات خطاب ترمب، والّذي ابتدأه باستعراض ذاكرة التّاريخ ليذكّر سلمان بالمواثيق، فيشير إلى القمّة السّريّة الّتي حدثت بين روزفلت وعبد العزيز ، والّتي كانت بداية العلاقة الحميميّة بين البلدين، فعند الاحتفال بستّينيّتها ألقى بيل كلينتون كلمة وصف فيها القمّة بأنّها وضعت (بذرة علاقات الصّداقة بين البلدين). ومن أعظم قراراتها: "النفط مقابل الحكم"، وهذا عين ما جاء به الاتّفاق بعد تجديده لمدّة ستّين سنة في 2005م من قبل الرئيس بوش الابن والملك فهد؛ حيث توفّر الولايات المتحدة الحماية الكاملة لآل سعود، مقابل ضمان السّعودية لإمدادات الطّاقة التي تستحقها أمريكا، ولا شك أن ترمب وسلمان قد سارا على الدّرب بعقد صفقة تعد الأضخم والأغلى في تاريخ الصفقات بين البلدين، قيمتها 400 مليار دولار، خصّص ربعها لصفقة الأسلحة، كما أكّدا عليه بتوسيع العلاقة الثّنائيّة على نطاق إسلاميّ عربيّ أمريكي لضمان نجاعة قراراته وضمان منابع تمويل جديدة.

كأنّ ترمب يومئ للدّول المسلمة بأنّ مقدّساتكم في السّعوديّة وليست في فلسطين، لذلك رأيناه ينوّه بالحرمين الشّريفين، وبوفادة الحجيج لمكّة، وعندما يتوجّه لفلسطين يؤدّي تراتيله عند حائط المبكى في سابقة غير معهودة.

وممّا جاء في هذه القمة من قرارات مهمّة: قطع دابر الإرهاب، هذا المصطلح الحمّال له مآلات متعدّدة؛ فهو في نظر علماء المسلمين مصطلح شرعيّ ورد في القرآن في سياق الحثّ على الجهاد وإعداد العدّة اللّازمة لزرع الرهبة والرّعب في قلوب الكفّار المحاربين والمعتدين، "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ" الأنفال:60، وقد جعله ترمب معيارا لكل شخص يحمل سلاحا ويقتل، حتّى لو كان القاتل(المجاهد) يقاتل ليدفع صولة المعتدي عن دينه وأرضه وعرضه، فترمب ينظم تحت مسمّى إرهاب، داعش، وحزب اللّه، وطالبان، وحماس..

وهكذا كثير من الجماعات والجمعيّات والشّخصيّات الّتي لم يتعب ترمب نفسه لبيان قائمتها، فقد تكفّلت أربع دول هي: السّعوديّة، مصر، الإمارات، البحرين بإصدار قائمة ضمّت حتّى مؤسّسات خيريّة كمؤسّسة قطر الخيرية المعروفة بمشاريعها الدّوليّة، وشخصيّات دينيّة بارزة كالقرضاوي والغرياني، وهذا خطاب متجدّد لم يعهد عن هذه الدّول الّتي تتهافت لإرضاء مفتيها الجديد: الشّيخ ترمب، وتطبيق البنود والقرارات الّتي تمخضت عنها قمّة الخزي والعار مؤخرا.

ومن أخطرها ما أشار إليه ترمب: أنّ الحرب الدّائرة ليست حربا بين العقائد والأديان والحضارات بل بين الخير والشّرّ، يا لا غفلة السّامعين كيف استطاع ترمب من خلال فكرة الصّراع بين الخير والشّرّ أن يساوي بين الأديان السّماوية الثّلاث، حيث نظمها في عقد واحد، وجعل اليهوديّة واسطة العقد، وهو يقرّر ذلك بخطابه الماكر، و يؤكّده بتجواله السّافر بين الرّياض وفلسطين (بيت لحم والقدس) والفاتيكان.

وفي هذا الجولة كأنّ ترمب يومئ للدّول المسلمة بأنّ مقدّساتكم في السّعوديّة وليست في فلسطين، لذلك رأيناه ينوّه بالحرمين الشّريفين، وبوفادة الحجيج لمكّة، وعندما يتوجّه لفلسطين يؤدّي تراتيله عند حائط المبكى في سابقة غير معهودة، تأكيدا منه على أنّ القدس حقّ للصّهاينة، أمّا عبّاس وأترابه فلا يملكون فيها فلسا ولا طينا، إلّا ما سيقتاتون عليه من بقايا مبدأ حلّ الدّولتين الرّخيص، والأمر على غزّة سيكون أشدّ وأنكد، فإمّا أن تطرد جنود الشّرّ-حماس- من أراضيها أو تكون راعية للإرهاب ومموّلة له، والمقتضي وضعها على لائحة المقاطعات الرّاعية للشّرّ إن هي أبت حسب نظرية ترمب الجديدة وحلفائه، وهكذا لا تطمع غزّة لا في إعمار ولا في فكّ حصار، ولربّما عن قريب ستشهد حصارا من نوع جديد.

وفي ضوء الأمر بإصلاحات تدريجيّة دون التّدخّل المفاجئ -الّذي جفّف خزائن أمريكا في عهد بوش الابن- يحدّد ترمب ما ينبغي على الدّول الإسلاميّة والعربيّة أن تفعله، حيث لهم مهمّتين يرى فيهما الخلاص من الشّرّ(الإرهاب)، المهمّة الأولى أن تسعى الدّول إلى إبعاد جنود الشّرّ عن أراضيها وطردهم من أكناف مقدّساتها، والثّانية تجفيف منابع تمويل الإرهاب من خلال اتفاقية توقع عليها الأمم الحاضرة في القمّة برئاسة مشتركة بين السّعوديّة وأمريكا من خلال مركز يدرس هذه المنابع.

وما أسرع جنود الخير لامتثال الأوامر، فأثناء القمّة تغمز الجارات وتلمز شقيقتها قطر على أنّها راعيّة إيديولوجيات التّطرّف وداعمته كما نوّه بذلك ترمب في تغريدة له، وبعد يوم أو يومين تأتي حوادث الاختراق-ولا أستبعد أن تكون فتيلا أمريكيا- لتلهب شرارة الصّراع بينها، والّذي انتهى بقطع العلاقات الدبلوماسيّة ومحاصرة قطر.

ولماذا قطر بالذّات؟ لأنّ قطر تساوي حكامة سياسيّة تملك كلّ المؤهّلات، وقوّة اقتصادية خارج قطاع المحروقات، وراعية للمؤسّسات والشّخصيّات المدافعة عن الحريّات، إضافة إلى ما مثّلته مع حليفها التّركي من مواقف ضد الصهاينة والانقلابيّن، ولربما كانت انتفاضتهم ضدّ قطر "حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ"البقرة:109، ولسان حالهم: كيف يقود شباب الخليج شيوخها؟ فيا أهل قطر "اعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير" البقرة:109.

ممّا جاء في خطاب ترمب دعوته لجعل منطقة الشّرق الأوسط مركز تجارة عالمي ومنطقة تعايش وتسامح ويتعبّد فيها أصحاب الدّيانات المختلفة بكل حريّة، هذه نسخة جديدة من مشروع الشرق الأوسط الذي طرحه بوش الابن لتحقيق سياسات أمريكا الاقتصاديّة والأمنية.

ومن عجائب شيطنات ترمب تمثيله لدور الواعظ والخطيب، فيدعوا للحاضرين ويبارك مساعيهم وجهودهم، بل إنّه يأمر رجال الدّين أن يبيّنوا أيديولوجيات الهمجيّة و العنف المفضية إلى الشّرّ، ويتوعّدهم ترمب بزوال كرامتهم -إن تبقّى لبعضهم كرامة-والتّنديد بحياتهم إن لم يفعلوا، فأمانة هيئة كبار العلماء بالسّعوديّة-مثلا-توطّئ للقمّة قبل أربعة أيّام من انعقادها ببيان يشرعن قراراتها ونتائجها، مؤكّدة أنّ القمّة تخدم المصالح المشتركة للبشريّة، وتخدم تطلّعات الشّعوب لتحقيق السّلام الّذي ينشده العالم. يكون ذلك -شرعا وعقلا- مع الكافر المسالم وليس الحربي، فلماذا يغيّرون الحقائق؟ ولماذا يسارع آل الشّيخ للقطيعة مع آل ثاني قبل انصرام علاقات البلدين مفنّدين نسب تميم إلى جدهم، ولست أكابر إذا قلت: أنّ بعد هذه القمّة سيكون صدور الفتاوى من البيت الأبيض بتوقيع المفتي ترمب، لتمرّر فيما بعد إلى هيئات الإفتاء الإسلاميّة حتّى يجدوا لها الصبغة الشّرعيّة المناسبة، وصدق النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إذ يقول: "من أتى أبواب السلطان افتتن" رواه أحمد.

وممّا جاء في خطاب ترمب دعوته لجعل منطقة الشّرق الأوسط مركز تجارة عالمي ومنطقة تعايش وتسامح ويتعبّد فيها أصحاب الدّيانات المختلفة بكل حريّة، هذه نسخة جديدة من مشروع الشرق الأوسط الذي طرحه بوش الابن لتحقيق سياسات أمريكا الاقتصاديّة والأمنية، خاصة فيما يتعلّق بأمن إسرائيل ومصالحها، وستشهد الأيّام القادمة تغيّرا في المنطقة وفي التّعامل مع الصهاينة، وربّما لم يعد هناك داع لوضع أقنعة فيما يخصّ التّعاطي مع اليهود، بل قد يصبح أمن إسرائيل في نظر جنود الخير الّذين جيّشهم ترمب مطلبا شرعيّا، وذلك بالقضاء على حماس والإخوان المسلمين وكلّ من ينبض فيه عرق الإسلام السّياسي أو يحمل في رأسه فكرة الجهاد الشّرعي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة