احتلال غزة بين التدريبات والإمكانيات

الحديث عن إعادة احتلال غزة لم يتوقف منذ سنوات فما بين تصريحات متواترة وبين تدريبات متواصلة تُحاكي إعادة احتلالها من جديد لنزع سلاح مقاومتها وتفكيكها من عناصر قوتها ومما لا شك فيه هو أن إسرائيل تمتلك القوة التي تساعدها على التدمير والقتل لكن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض الإملاءات والإرادات على الطرف الآخر وإلا لما ترددت بالقيام بعملية عسكرية على غرار عملية السور الواقي التي Hعادت خلالها احتلال مدن الضفة وساهمت في إعادة بناء سلطة تُقدس التنسيق الأمني وتلاحق المقاومين لكنها تدرك بأن لكل منطقة طبيعتها وطابعها ولكل خطوة تداعيات واثمان قد يصعب على البعض تحملها على المدى القريب والبعيد سيان.

 

فرغم اعتراف مسئولين عسكرين وأمنين بأن حل معضلة غزة والقضاء على التهديدات الصاروخية والأنفاق الاستراتيجية لن يتم دون إعادة احتلالها بالكامل وفرض السيطرة عليها إلا أنهم حذروا من الإقدام على مثل هذه الخطوة لاسيما وأنها ستكلف إسرائيل الكثير من الخسائر وقد عبر عن ذلك وزير الحرب السابق موشيه يعالون حينما قال بأن الحرب ليست لعبة فلو قمنا باحتلال غزة فإن الحرب ستستمر لسنوات وستكلفنا 10 مليار شيكل سنويا إذ أنها ستكون مسئولة عن إدارة الشئون المدنية لما يقارب من اثنين مليون فلسطيني وهو ما يشكل عبء أمني واقتصادي وإداري لا نستطيع تحمله.

 

هل يمكن للجيش الإسرائيلي الذي انسحب من غزة عام 1993 بعد فشله في القضاء على انتفاضة الحجارة والعمليات البدائية رغم سياسة تكسير العظام وهدم البيوت أن يعود إليها مرة أخرى

كما تجلى ذلك بوضوح خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر الذي انعقد أثناء العدوان على غزة عام 2014 بهدف مناقشة توسيع العملية واستغلال الفرصة لاحتلالها بالكامل بناء على طلب عدد من الوزراء ولم يكن أمام المسئولين الأمنين وسيلة لإقناعهم بالعدول عن هذه الفكرة سوى استعراض بعض النتائج المتوقعة لمثل هذه العملية حيث أشارت إلى أنها ستؤدي لمقتل مئات الجنود وأسر عدد واحتجاز جثث عدد آخر وإمكانية اندلاع مظاهرات في مدن الضفة ومدن عرب 48 بالإضافة إلى تأثير ذلك على الحلبة السياسة وزيادة عزلة إسرائيل الدولية.

 

لكن الأهم من ذلك هو ما أشار إليه أحد الضباط الكبار حينما قال بأن احتلال غزة قد يستغرق 20 يوما أما فرض السيطرة عليها فقد يستمر لخمس سنوات أو أكثر إن تمكنا من ذلك أصلا لاسيما وأن الجيش الإسرائيلي سيضطر لملاحقة آلاف المقاومين الذين عُرف عنهم القتال حتى الرمق الأخير أضف إلى ذلك فإن من يسير في شوارع غزة وأزقتها يتساءل كم من الجنود ستحتاج إسرائيل لكي تتمكن من السيطرة عليها؟

 

وهل يمكنها الاستغناء عن عشرات الآلاف من جنود الاحتياط الذين يمثلون عصب اقتصادها ونسبة كبيرة من الفئة العائلة في المجتمع الإسرائيلي وهل ستسمح لنفسها خوض حرب لسنوات طويلة بما يتناقض مع أحد أهم مبادئ نظريتها الأمنية منذ عهد بن غوريون وحتى يومنا هذا والتي تقضى بضرورة امتلاك القوة الصاعقة لحسم المعركة بأسرع وقت ممكن.

 

إن أحدا لا يعتقد بأن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي أمام تعاظم قوة المقاومة بل ستواصل محاولاتها بطرق سرية وعلنية لتجفيف منابع قوتها السياسية والمالية

عدا عن ذلك فإننا نتساءل هل يمكن لهذا الجيش الذي انسحب من غزة عام 1993 بعد فشله في القضاء على انتفاضة الحجارة والعمليات البدائية رغم سياسة تكسير العظام وهدم البيوت والاعتقالات والإبعاد وإخلائه لجميع المستوطنات في غزة عام 2005 تحت ضربات المقاومة وعملياتها النوعية أن يعود إليها مرة أخرى.

 

ثم ماذا عن الحروب الثلاث التي شنتها على غزة في أقل من عشر سنوات ألم تكن كافية لإقناعها بأن المقاومة في غزة رقم صعب لا يمكن تجاوزه لاسيما وأنها لم تتمكن من التقدم إلا لكيلومترات معدودة خلال الحرب الأخيرة أم أنها لا تزال تعيش أسطورة الجيش الذي لا يقهر ونشوة انتصار 67 حينما هزمت ثلاث جيوش عربية في ستة أيام.

 

ورغم ما ذكرناه سابقا فإن أحدا لا يعتقد بأن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي أمام تعاظم قوة المقاومة بل ستواصل محاولاتها بطرق سرية وعلنية لتجفيف منابع قوتها السياسية والمالية على أمل نجاحها إما في إخضاعها وتهيئة المناخ المناسب لتسليمها لجهة دولية أو عربية أو ترويضها للقبول بالأمر الواقع والقيام بالدور المطلوب منها 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة