شعار قسم مدونات

عُيونهم كانتْ تراقبُ الرب

blogs - مكتبة وقراء
يعتقدُ البعض أنّ التحرر من الذاتِ يكمُن في الخروجِ عن الدين وسبّ الذاتِ الإلهية والابتعادِ عن العادات والتقاليد وازدرائِها ومحاولة لفتِ النّظر بأيّ طريقةٍ خاطئةٍ كانتْ، بينما التحرر منَ الذات يشبهُ كثيراً ما قامَ به "ريكي جون" و"تاليسون ميكي" عندما أقدَمَا وبكلّ شجاعة على الدفاع عن فتاتيْن مسلمتيْن إحداهنّ محجبّة في أمريكا دونَ أن تجمعهما بالفتاةِ أيّ معرفة، فقط من دافعٍ إنسانيّ أخلاقيّ بَحتْ. 
في تدوينتي هذه لا أودُّ التحدث عن تحريرِ الذات وأنواعهِ وطُرُقه وإنّما عن روايةٍ كانتْ بطلتُها تنشُد في كلّ جزئيةٍ منها تحريرَ ذاتها وتبحثُ عن هويتها، كيفَ "سحبتْ السّنواتُ الروحَ القتالية عن وجهها، كيفَ تقولُ أشياء وتسكتُ عن قولِ أشياء أخرى، كانتْ أُخدوداً، كانتْ حياةً كبيرةً تحت السّطح لكنّها بقيتْ مدفونةً تحتَ العَجَلات".

"جاني" سيدةٌ أفريقية، ترّبتْ وكَبُرت عند عائلةٍ من البِيض، كانتْ جدّتها تعملُ لديهم كخادمةٍ بسيطة مُضطهدة، وُلدتْ "جاني" بلا هوية، نتيجةَ اغتصابِ والدتها، التي هي بدورها كانتْ ضحيةَ اغتصابٍ أيضاً، وهذا ما جعلَ الجدّةَ تفكر في تزويجِ حفيدتها بأوّلِ رجلٍ يتقدم لها، مع أنّها كانتْ صغيرةً آنذاك، وهذا ما حصلَ بالفعل، تزوجتْ "جاني" من رجلٍ يكبرها بسنينَ عدّة، رجلٍ غنيٍّ، يملكُ من الأراضي الكثير، عاشتْ معهُ حياةً مملّة، كانتْ تشعُر بالقَرف منه، من رائحةِ قدميه، وثيابه، خطواتِه وطريقةِ كلامِه، ما دفعها للهربِ مع "جودي ستاركس" والذي أصبحَ فيما بعد زوجَها الثاني، كانَ رجلاً أنيقاً، ومرتباً، مغروراً وقاسيا، تزوجها لا لأنّه يحبّها بل ليفرضَ عليها قوته وجبروته الذي كانَ يمارسُه على الجميع، منعها من التعلّم والتكلم حتى لا يأتيَ يوم وترفعَ صوتها عليه، وتقفَ ضده.

كقارئة للرواية بدتْ لي جاني وهي تفكر في احتمالِ قتله، تسترجعُ شريطَ حياتها أمامَ عينها لتبحثَ عن أيّ سبب يُشجعها على فعلتها تلك، سببٍ صغيرٍ بسيطٍ يبرّر لها فعلتها، وكأنّها تتذكرُ كيفَ كانَ يأخذُ أموالها أحياناً ويستخدمها في حفلاتِه الفنيّة دونَ أن يسألها.

بعد وفاتهِ مباشرةً، وقعتْ "جاني" في حبِّ شابٍ أصغرَ منها، وجدتْ فيه ما لم تجدْه في أزواجِها السّابقين، "تي كيك"، كانَ شاباً بسيطاً يعزفُ ليعيش، لم يكنْ صاحبَ مالٍ كزوجها الأول ولا صاحبَ سلطة كزوجها الثاني، كانَ يملكُ مجموعةً من الألحان والكلمات يعزفها ويغنيها لها، فتضحكُ وتمرحُ وتنتشي على وقْعِ تلكَ الأهازيج.

علَّمها قيادة السيارة، ساعدَها في تحقيقِ أهدافها، وإبرازِ شخصيتها، كانَ رجلاً رومانسيا معها في أغلبِ الأحيان، "هذا الذي يُسمّى الحب هو ما يجعلنا نُجذَب ونُسحَب ونتعرَّق ونتحول مِنْ لا أستطيعُ الرؤية في النهار، إلى لا أستطيعُ الرؤيةَ في اللّيل".

ولأنّ اللّحظات السّعيدةَ لا تبقى طويلاً، كانَ لا بدّ أن تُرسمَ النهاية لهذه القصة، ذاتَ يوم عضَّ كلبٌ مسعورٌ "كيك" أثناء مُحاولتهِ الدفاعِ عنها، فأُصيبَ بعدَ أيام بداءِ الكَلَب، وأصبحَ يلاحقها من مكانٍ إلى آخر ليعضَّها من ذراعها، كان ينجحُ في الإمساكِ بها لمرات وكانَ يفشلُ في مرات أخرى لأنّها كانتْ تتمكن من الهربِ منه والنجاة بروحها.

وهنا أصبحتْ "جاني" أمامَ خَيَاريْن اثنيْن، إمّا أن تسمحَ له بعضّها فتصبحَ مريضةً مثله بنفس الداء وبالتالي تكون نهايتُها مع الشّاب الذي أحبته، وإمّا أنْ تقتله وتنجو هي بحياتها، لم يكن الخيارُ بالنسبة لها سهلاً ولكنّها في النهاية اختارتْ ما يضمنُ لها حياتها، اختارتْ أن تعيشَ هي وتقتله هو.

كقارئة للرواية بدتْ لي جاني وهي تفكر في احتمالِ قتله، تسترجعُ شريطَ حياتها أمامَ عينها لتبحثَ عن أيّ سبب يُشجعها على فعلتها تلك، سببٍ صغيرٍ بسيطٍ يبرّر لها فعلتها، وكأنّها تتذكرُ كيفَ كانَ يأخذُ أموالها أحياناً ويستخدمها في حفلاتِه الفنيّة دونَ أن يسألها أو حتى يأخذَها معه، وكيفَ كانَ يضربها أحياناً أخرى كطريقةٍ تعبيريّة عن رغبته في امتلاكها.

"كانتْ هذه أكثرَ اللّحظاتِ وضاعةً في الأبديّة، قبل دقيقة، كانتْ مجرّد إنسانٍ خائفٍ يقاتلُ من أجل حياته، والآن صارتْ روحاً مذبوحةً تحملُ رأساً في حضنها، لقد أرادتهُ أنْ يعيشَ بشدّة ولكنّه كانَ ميْتاً.." إنّني أتحدّث عن رائعةٍ من روائعِ "زورا نيل هارستون": عيونهم كانت تراقبُ الرب.
 
الروائية الأمريكية وُلدت في "آلاباما" عام 1891 وعاشت في مدينة "إيتونفيل" المدينة ذاتِ الغالبيّة السوداء والتي تحدثتْ عنها في روايتها بشكلٍ تفصيليّ. "زورا" لِمَن يجهلها بالإضافة لكونها كاتبةَ قصصٍ وروايات، هي عالمةُ أنثروبولوجيا وباحثة في الفلكلور، كتبتْ روايتها الشّهيرة في سبعِ أسابيع فقط، وقد تحدثتْ عن ذلك في سيرتها الشخصية وأوضحتْ أنَّ السَّبب يعودُ لضغطٍ داخليّ كانت تتعرض له.. توفيت إثرَ سكتةٍ قلبية عام 1960 وتمَّ دفنُها في قبرٍ مجهول، وُجِد فيما بعد ليُكتبَ عليه: "زورا نيل هارستون عبقريةُ الجنوب".

كانتْ امرأةً عائدةً من دفنِ فقيد، ليسَ فقيداً غافلهُ المرض وقُضي مُحاطاً بالأصدقاء الواقفينَ عند قدميه، بل عادتْ من الموتِ الذي يجعلُ العيونَ مفتوحةً عند المحاكمة، عادتْ وكأنّها طفلة تشعرَ بالسّعادة لأولِ مرة، لأنّها تحررت ووجدتْ ذاتها، بعد أنْ كانتْ على وشكِ الموت.

رواية "عيونهم كانت تراقب الرّب" هي روايةٌ مليئةٌ بالتّناقض والغُموض، معقدة، لا تخلو من الفُكاهة، ذات سرد شاعريّ ومعقد، تجدُ في بعضِ أجزائها رومانسيةً مُطلقة وفي البعضِ الآخر مقاطعَ توعوية إنْ صحّ التعبير، فهي تعرّضتْ لمواضيع من مثل الاعتداء الجنسيّ والعِرْق وإنْ كانتْ الكاتبة قد نفتْ أن يكونَ الغرضُ الأساسيّ من روايتها، هو التحدّثُ عن العنصرية إلاَّ أنّ هذا الموضوعَ كان حاضراً في روايتها بقوة، فهي تذكُر كيف كانَ يأمرُ الرجالُ البيضُ العمالَ السُّود بدفنِ موتاهم في توابيت ورمي جثثِ السّود في حفرةٍ مليئةٍ بمادة الجير الأبيض.

باختصار كانتْ بطلةُ الرواية "جاني" تبحثُ عن اكتشافِ ذاتها والتعرُّفِ على هويتها، بعيداً عن حياةِ السّود الذي صورته لها جدتها بمأساوية، جرَّبتْ الزواج ليسَ كرغبةٍ فيه وإنّما سعياً للحصولِ على شعورٍ آمنٍ بالاستقلال، "لم يكنْ لديها فرصة لمعرفةِ الأشياء، لذا فقدْ كانَ عليها أنْ تسأل: هل يُنهي الزواج العُزلة الكونية للمهجور؟ هل يُخضِع الزواج الحبَّ كما تفعلُ الشَّمسُ مع اليوم؟"، لمْ تجدْ "جاني" سعادتَها إلاَّ مع الشّخصِ الذي أحبته وفي النهايةِ قتلته، والذي بسببهِ أيضاً، حُوكِمَت كمجرمةٍ ثمّ تمَّتْ تبرئتُها فيما بعد، لتعودَ إلى قريتها "إيتونفيل" وتُقيمَ عزاءً كبيراً له، كانتْ امرأةً عائدةً من دفنِ فقيد، ليسَ فقيداً غافلهُ المرض وقُضي مُحاطاً بالأصدقاء الواقفينَ عند قدميه، بل عادتْ من الموتِ الذي يجعلُ العيونَ مفتوحةً عند المحاكمة، عادتْ وكأنّها طفلة تشعرَ بالسّعادة لأولِ مرة، لأنّها تحررت ووجدتْ ذاتها، بعد أنْ كانتْ على وشكِ الموت بعضّة زوجٍ أحبّته، تذكرُ كيفَ أنّها ولفرطِ سعادتها وهي تنتهي من عزائه، خافتْ مِنْ أن يحدُث لها شيئا.

الجميلُ والمميّز في الرواية، أنّها تفتحُ المجالَ أمامَ كلّ قارئ لها في أنْ يضعَ تصوراً ونقداً بحسبِ قراءتهِ الخاصة، وهذا ما أكدّتْ عليه ماري هيلين واشنطن بقولها: "إذا كانَ هناك شيء تعلّمناه من الدراسات الكثيرة لرواية عيونهم كانت تراقب الرب، فهو أنَّ النص غنيٌّ ومعقدٌ وأنّ كلّ جيلٍ من القراء سوفَ يجلبُ شيئاً جديداً لفهمنا لها".

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.