شعار قسم مدونات

المؤمنون بالله والعدميون

blogs - الدولة الإسلامية
مند ظهور الإنسان الناطق على سطح هذا الكوكب المترنح والبشرية تنمي روابط جد مختلفة مع الله، فهناك فئة من الملحدين الجذريين لا يؤمنون قطعا وبتاتا بحضور الإله، ولايعتبرون أن له وجودا أصلا في هذا الكون الشاسع. ونمط وجودهم مصبوغ بالتشاؤم واللامبالاة، والسخرية، وتبخيس كل ما يمكن للإنسان أن يقوم به، في مواجهة هاوية العدم؛ الذي يعتبرونه المآل النهائي الذي سيبتلع الكل يوما ما، مع تعويم كل هذا في دوامة اليأس العدمي.
ثم هناك بالمقابل، فئة مؤمنة متفائلة، تصدق وتعتقد في وجود الله، وتحاول أن تعبر وتبرز مخاض هذا الإيمان في طقوس الارتباط الديني بعوالم غيبه؛ لكن الكثير ممن هم دخيلين في هذه الفئة، يزايدون في ممارسة الروحانيات بتشنج الى درجة الغلو تؤدي بهم حتما إلى تلك الطرق المسدودة المعروفة: إما التعصب القاتل، أو البحث عن سبل للهروب من هذ العالم الجاحد، أو مزج القداسة بالهيام الصوفي، مع إضفاء صفات متعالية ومنزهة لله تجعله في قلوبهم مبلغ المنى ومنبع الأمل.

لكن الأكثر طرافة من بين مجموع هذه الفئات، فئة تنوعت توجهاتها ولا تقتصر على مذهب معين، أو سلوكات أحادية في التعبير عن ثورتها وتمردها وعصيانها وجحودها بالله، الذي لا تنكر بتاتا وجوده!فموقفها، يشبه موقف التمرد الشيطاني ضد الخالق، الذي تريد أن تحمله، بالضرورة، إيجاد رد فعل وازن ومسؤول، أمام ويلات ومآسي هذا العالم العبثي الدموي. فانقلابها الشيطاني المكلوم بكوارث الوجود، يختار أن يتمرد على الإرادة الإلاهية، عوض الاعتراف بعدم وجودها مطلقا!

وتضمر نظرة هذه الفئة، موقف اللامبالاة وازدراء كل ما يمت بصلة للإله في عليائه، فهي حتى لو كانت تعترف بوجوده، لا تكن له أي اهتمام. فالذات الإلاهية بالنسبة لها بعيدة ومتعالية، لا صلة لا بالمتع والملذات والمجهودات الجبارة، التي يوفرها الكائن المحدود لذاته ليستمر في المقاومة داخل ورطة الوجود العالق فيها، فرب الكون لا يستحق في نظرها إلا مزيجا من اللامبالاة والمرارة والخيبة، وتصر بجنون على أن تعرض في حضرته (عن طريق عدم الاكثرات به)، نفورها وعصيانها الجاحد، وحتى الرغبة في إثارة التحدي تجاهه! وهو ما يؤدي بها إلى تفاقم حس السخرية، سخرية تجاه كل شيء يمت له بصلة، مع قليل من كراهية الذات الشخصية. 

لكن ما لا يشعرون به ولو بشيء من التخمين، أنهم لا يفعلون إلا استنساخ نفس السلوكات الارتكاسية الميكانيكية المُتهكّمة، المصحوبة أحيانا بفضاضات مبتذلة، لآراء السابقين من الذين لم يكونوا يعتقدون في وجود الله.

كل هذا يفشي نوعا غريبا من الشكل العصبي للتدين- المضاد، ملوث برواسب الخيبة واليأس، ثم هناك مأزق كبير يسقط فيه كثيرون من الذين بدأوا، في منطقتنا، يتذوقون لأول مرة متعة الانقضاض على القيم الأخلاقية المفترض فيها (حسب وجهة نظرهم الإلحادية) أنها منتوج خالص من فبركة أديان سماوية خرافية يجدونها أنها متسلطة وبغيضة، تستحقّ كل الازدراء الواجب منهم إزّاءها.

لكن ما لا يشعرون به ولو بشيء من التخمين، أنهم لا يفعلون إلا استنساخ نفس السلوكات الارتكاسية الميكانيكية المُتهكّمة، المصحوبة أحيانا بفضاضات مبتذلة، لآراء السابقين من الذين لم يكونوا يعتقدون في وجود الله، تحديدا في مرحلة صعود النزعات الإنسية في ذروة حقبة الأنوار في أوروبا، خاصة عند دخولها في حرب أيديولوجية شرسة ضد غيبيات الكنيسة الكاثوليكية وما كانت تنعته بعالمها الماورائي المزعوم. (كمثال حقبة اللا أدري فولتير- هذا الماكر النزق الذي اعترف له الفيلسوف نيتشه بذكاء استثنائي، دون معاصريه الثقلاء الدوغمائيين في إلحادهم السلبي، وسخريتهم المدمرة لقيم اللاهوت عموما).

بينما توجد في الدوائر الأكاديمية الغربية أقسام دراسية متخصصة في دراسة جذور ظاهرة الإيمان وتوأمها الملازم الإلحاد، تعطي أحيانا تصريحات بيانية يمكن أن تساعد أكثر وتبدد سوء الفهم الطارئ لدى ملحدي منطقتنا المعروفين بالنزق – أنه لا يكفي فقط أن يعتقد الكائن في وجود الله، أوحتى لا يعتقد! (سيّان بالنسبة لهم، لأنهما نمطين وجودِييْن يحققان حضورا أنثروبولوجيا تاريخيا أساسيا في الصيرورة البشرية).

ثم نظن انطلاقا من هذا الموقف الذاتي (إن كان إلحادا مترددا) أنه سيتيح لنا أن نندفع، تواً، لنضع تحديدا مباشرا لطبيعة وماهية هذا الكائن العاقل الناطق التي يسمى "الإنسان" إما ربط تشوفاته بأنها إفرازات عالم علوي هذياني وحصرها هناك أو كما يتوهم غير المعتقدين بتمزيق رداء الوهم الذي يُسربله داخليا، وإسقاط هالة القداسة عن شيء ينعت بالروح، مدججين لتنفيذ هذه المهمة، باستخدام ترسانة من العلوم التحليلية النقدية المعاصرة وبكل العنف الرمزي الذي تتسم به، مسنودة بموجة الحداثة التكنولوجية وعدميتها الجارفة، فنسارع بالزعيق أن الإشكال عليه أن يعالج هكذا وانتهينا. 

الأمر يستدعي الحفر عيمقا في التراكمات المعرفية وقلب القيم التراتبية العليا التي تم تحنيطها وتصنيمها وكالكشف عن المرجعية المعيارية التي كانت تستمد منها شرعيتها وتسندها في أعين الشعوب، حتى لدى أولئك الذين يتموقعون خارج التقليد اليهودي.

الأمر أكبر من هذا وأعمق. وأقل ما يمكن أن يشير إليه هنا دارسو الأديان مرتبط أصلا بتاريخ تراث الفكر الإنساني مند تبلور بداياته الأولى والتقسيمات الميتافيزيقية المفاهيمية الثنائية، الراسخة والثاوية في بنيته الشاملة والتي ستخترقه وتشكله من كل جانب (دين سماوي/ طقس وثني… خير/شر، جمال/ قبح حقيقة / زائف.. عقل روحي جوهر/ عالم حسي زائل… عالم المُثل الأفلاطوني/ عالم الظلال.. الله فوق/ بشر تحت شيطان/ ملاك…. إلخ …

وأن هذا يستدعي تفكيرا نسقيا جبّارا لتحليل البنيات وتفكيكها من أساسها (لا يقولون بتدميرها، فهناك فرق) والحفر عيمقا في التراكمات المعرفية وقلب القيم التراتبية العليا التي تم تحنيطها وتصنيمها وكالكشف عن المرجعية المعيارية التي كانت تستمد منها شرعيتها وتسندها في أعين الشعوب، حتى لدى أولئك الذين يتموقعون خارج التقليد اليهودي المسيحي وامتدادات جذوره المتفرعة في الدين المحمدي ويعنون شعوب البحر الأبيض المتوسط على اختلاف أعراقها وألوان تدينها..

والمهمة لن تنتهي فقط في العملية التفكيكية لكل ذلك الصرح والبحث فيه عن أصل القيم العدمية المتحكمة في عصرنا، بل تتواصل مثلا مع أبحاث جادة عرفها القرن العشرين في حقول فكرية من نوعية خاصة مثل حقل التحليل النفسي وتشخيصه لأعراض القداسة وترددها المُلحّ لدى الكائن المتكلم l etre parlant وظهورها المتجدد بتلوينات ولُبوسات متغلغلة خفية في عالمه المعيشي، وبعيدا حتى عن منبتها الأول الذي كان دائرة الأديان.. أتوقف هنا لأن الأمر يتطلب توضيحات مستفيضة جد مكثفة لا أظن أن المجال يسمح بها هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.