نكبات أخطر من النكبة

مدونات - مخيم جنين
كيف لجماعة منكوبة أن تتذكر النكبة؟ بمعانيها ودلالاتها وخطورتها؟ كيف لأمة مهترئة منقسمة مفتتة أن يكون لذكر النكبة عندها "مكان" مهما ضاق أو اتسع؟ النكبة التي نعيشها اليوم كعرب في السياسية والاجتماع والدين والأخلاق أخطر على واقعنا من النكبة الجغرافية التي شهدتها فلسطين، أواخر  الاربعينيات. 

فعندما يموت الدافع للقتال زودا عن الشرف والأرض والعرض من داخل الإنسان، يصبح كل ما دون ذلك تفصيلا صغيرا في حياته. من يرى في الانحلال الأخلاقي ثقافة دارجة وحداثة مطلوبة ماذا تعني له النكبة؟ أي وعي هو هذا الذي سيشكله عنها؟ من ينظر إلى الاحتلال الصهيوني لإسرائيل على أنه شأنا فلسطينيا خاصا! ماذا تتوقع منه تجاه فلسطين؟

وبالأحرى ما الخلفية التي يحتفظ بها عن النكبة أو الانتفاضة؟ والذي يتعرض بلده للحريق وليس بيده خرطوم ماء يطفئ به النار، هل سيكون له وقتا كافيا للاطلاع على المحارق الممتدة من شرق بلاده العربية إلى غربها ومن ضمنها فلسطين؟

النكبة صارت نكبات، والوطن العربي أوطان منه المحتل بإرهاب غاشم، ومنه المحتل بمنظمات طائفية إرهابية بغيضة، ومنه الباحث عن دور ولو على حساب كرامة الأمة.

الزمن اليوم هو زمن الخروج من الاهتمامات المشتركة إلى تحصين المنازل الداخلية، زمن العودة إلى الكانتونات الطائفية والمذهبية والشعارات الانعزالية، وإن وجدت على جانب الطريق تصريحا عن إدانة احتلال أو تذكير بأهمية الكفاح المسلح ضد العدو وآخر عن الأخطار التي تعرضت لها الأمة بعد النكبة، فهذا يدخل ضمن باب التصاريح الجوفاء التي لا يتذكرها أصحابها إلا بفضل المفكرات اليومية على مكاتبهم، ومن باب رفع العتب ليس أكثر.

فلسطين التي كانت يوما بوابة للوحدة العربية والإسلامية على اعتبار أن الوقوف إلى جانب قضيتها المحقة قد يكون مدخلا لجمع العرب والمسلمين، والتي تربى على قضيتها جيل بأكمله فناضل لأجلها حتى الاستشهاد، باتت عند الكثيرين من أمتنا ودولنا حرفا ساقطا من الاهتمامات، وعند البعض الآخر عبئا على خزينة الدولة، وعائقا أمام الطموحات الخاصة، ومسحوقا مزيلا لبياض الوجه عند لقاء المسؤولين الأجانب، لأن فلسطين بطبعها تفضح معادن الناس ومعادن الدول.

المشكلة الأخطر التي تواجهنا اليوم أن أجيالا تولد وتتكاثر وهي لا تعرف عن فلسطين إلا موقعها الجغرافي، جيل لديه اهتماماته الخاصة التي تبدأ من شكل الهاتف الخلوي وتمر بتسريحة الشعر وصولا لنوع وشكل بنطلون الجينز وأمورا أخرى كثيرة.

جيل ينمو في داخله الانبهار بكل جديد على سلبياته، حتى تملكه الانبهار فبات المحرك الأساس لحياته. ونحن نعيش النكبة كل يوم، في تفرقنا في ضياعنا في خلافاتنا واستقواء البعض منا على الآخر. نعيش النكبة كل يوم عندما نخرَج للدنيا أجيالا منفصلة عن الواقع، همها الوجبات السريعة وسرعة الانترنت ومعاشرة النساء ومصحابة الرجال.

عندما يموت الدافع للقتال زودا عن الشرف والأرض والعرض من داخل الإنسان، يصبح كل ما دون ذلك تفصيلا صغيرا في حياته. من يرى في الانحلال الأخلاقي ثقافة دارجة وحداثة مطلوبة ماذا تعني له النكبة؟

نعيش النكبة كل يوم عندما نقدم مفوهما خاطئا لديننا الحنيف وندعي الفهم والفقه والإفتاء، فنُضَل ونُضِل، والأخطر من ذلك كله أنه وبالرغم من وقوفنا على كذب ادعاءاتنا نسوقها للناس على أنها الحقيقة، ونحول الادعاء إلى قناعة داخلية.

النكبة صارت نكبات، والوطن العربي أوطان منه المحتل بإرهاب غاشم، ومنه المحتل بمنظمات طائفية إرهابية بغيضة، ومنه الباحث عن دور ولو على حساب كرامة الأمة، ومنه الباحث عن قيادة ولو على جثث الآخرين.

إن عودة أصيلة إلى الذات الصافية، وبناء المجتمع من جديد على أسس واضحة المعالم تتخذ من التربية والتعليم والأخلاق منطلقات لها، كفيل أن يضع اللبنة الأساس لعودة محتملة إلى جادة الصواب… وعندها فقط يمكننا أن نقر بأن لدينا القدرة على تجاوز النكبة، لا الغرق بنكبات جديدة.