يوم كان مُعلمي ذاك أبا ثانيا.. وربما أولا

blogs تعليم
 
ماذا يفعَل الآن؟
ربّما لا يتذكر معلمينا من سوى تلْك النقط التي حصلنا عليها في آخر اختبار أو مسابقة محلية؛ ولعلهم إذا نجحوا في تنشيط ذاكراتهم العاطفية يفاجؤهم ذلك التلميذ الذي كان محبوبا لطرافة ميولاته أو لجمال سلوكاته التي أسر بها من حوله.. لكن القليلين جدا يذكرون صبيا أو صبية بعينها ليسألوا عنهمْ بعد عشر أو عشرين سنة: هل تحسنتْ أحوالُ عائلتك؟؟ لا يمكن أن يسأل هكذا إلا معلم برتبة أب.. ولا يُمكنُ أن يوحى له بعد هذه المدة إلا من حمل في القلب لقب أب بتمام المعنى.. هم لا يذكرون هذه التفاصيل في الحكايات نحن نذكرها..
 

كان هذا المُعلم يرابط في خفاء على اقتناص ذوي الفقر وأصحابُ حاجة، كنتُ من بين هؤلاء.. لاحظ بعْد مدة من افتتاح المدارس أبوابها أن هذه التلميذة "التي تحلم وتحمل اليوم شعلة ونورا منْه" لا تزالُ تُجاهد للحصول على مرتب أوراق لها؛ ذلك الذي كان حاجة ضرورة في مادة العلوم وبه الاستعانة، أما عن كتاب المادة فما كانت تسأل أساسا لارتفاع قيمته؛ الحصة بعد الحصة وذات السؤال والجواب يتكرران: أين المرتب والأوراق؟؟ "، "سأحضرهم قريباً جدا أستاذ؛ ذلك أن أبي سيرسلها من مكان بعيد".
 

لن نجد ربّما ذاكرة أي طفل منا خاليا من هذا الأب الصّادق في حبه "المعلم"، المخلص في أداء أشواط هذه الرسالة كأبهى ما قرت به عينه، لو بحث كُل منا عن هذا المعلم، لربّما وجد على الأقل واحد.

لستُ أدري للآن لم كان الفقْر مدعاة للأنفة على غير ما هو عليه الآن؛ كان الواحد منّا يستنكف أن يجد في صدره حاجة لغيره وإن كانت حقيقة الأمر كذلك.. كانت الحاجة أما وأبا للجد والمثابرة، كان الفقر المروض والمحرك الذي يقذف في روح كل منّا شيئاً من الغبطة أن الله اصطفى من بعد الخلق الفقراء لابتلاء أشد، لقربٍ منه أشد.
 

سأل ذلك المعلم آنذاك كل المعلمين الآخرين، وكانت ملاحظتهم ذاتها لكن سلوكهم اختلف، هُو قرر أن يقدم الغد وفي يده بطاقة تأمين احتياجات تلميذة كانت ترغب بشدة في أخذ جذوة العلم من أضيق الأبواب وأفسح القلوب، أفسحها على الإطلاق ..ورغم أن تلْك المغرورة التي بالداخل رفضت على صغر سنها مساعدة قد تجعل منها اتكالية، فقد ظل هذا الأب لا يغادر مجاجر الأمل والألم لهذه التي نضجت وأصبح أقصى أمانيها أن توهب على الكبر قلب ذلك المعلم وروحه..
 

ليس من السهل أن يعبر مُعلمٌ ذاكرة طفل دون تكلفة إلا إن هو أبى، وليس من الصعب أن تميل الكفة لمعلم على آخر بما اكتسبه من شق الرحمة ودفعة العطاء في دعابة للطفل الذي يرعاه بالداخل.. فذلك ما لا سلطة لأحد فيه على آخر.
 

بعيدا جدا كان هذا الأب لا يغادر أية مدرسة، في كل حي أو قرية أو شعت في جبل ناءٍ، كان يجول فيها بخواطره وما ملكت عواطفه وما يكنز من أجل محروم وبائس وصاحب عالة، كان يقوم الدنيا حتّى تحسب أن كل صيحة على تلميذ صيحة على ابنه، كان يختارُ لإيمانياته ما يجعل من التعليم يصمُد في ظل الحصار والحرب والفقر، لأنه معتقد ان الأمر لا يكون كيفما يراه غيره ..كان الأمر يتعلق بالإيمان، بالشغف بالرسالة.
 

لن نجد ربّما ذاكرة أي طفل منا خاليا من هذا الأب الصّادق في حبه، المخلص في أداء أشواط هذه الرسالة كأبهى ما قرت به عينه، لو بحث كُل منا عن هذا المعلم، لربّما وجد على الأقل واحد لا يفتنُه مطلقاً مكروه أو حسن عن سلوك الطريق التي اختارها من أجل تلاميذ بدرجة أبناء، لو بحث كل منّا سيجد على الأقل هذا النّموذج الذي بإمكانه أن يفسح في صدورنا للأمنيات والأحلام وحاجة التغيير.
 

سيكون علينا نحن هذا الجيل أن نحمل هذه الشعلة ونضمها بأيادٍ من طهر لتتشكل الأجنة مثلما يُساق لها في مراد الله، سيكون على كل معلم أن يكون ذلك الأب الذي يخترقُ الحجب ليظهر كَولي من أولياء الحُب في ذاكرة صبي كما فعل صاحب ليلتي..

هذا النموذج الذي بإمكانه أن يغطي على كل السواد ليتكون جنين آخر على هيئة ما يتمنى كل منّا لابنه.. لو بحث كل معلّم منا أو راغب في الالتحاق بركب المعلمين الأول، لوجدناهم في كل ركن من غرفنا المظلمة ينيرون الطرقات وإن من بعيد، يعانقون فينا الأمل ويحيون صلة الوصل بالمُعلم الذي عرف كيف ينسجُ من خيوط العنكبوت جسراً يعبر به إلى المدينة، ليقر قرار الرسالة.. فلم نتمسك كثيراً بأولئك الذين يجرحون فطرتنا الأولى في الحلم بأب ثانٍ تكونُ له سلامة الفكر ونقاوة الحب لما يصنعه!
 

قريباً جدا، سيكون لنا يوماً ما في كل مدرسة آباء، يغلفون الهدايا ويصنعون الأعياد ويرسمون على الجدارات لوحات الرسالة الأولى، سيكون علينا نحن هذا الجيل أن نحمل هذه الشعلة ونضمها بأيادٍ من طهر لتتشكل الأجنة مثلما يُساق لها في مراد الله، سيكون على كل معلم أن يكون ذلك الأب الذي يخترقُ الحجب ليظهر كَولي من أولياء الحُب في ذاكرة صبي كما فعل صاحب ليلتي..
 

تُرى.. ماذا يفعلُ الآن..؟ لا يهُم لأنه فعل ربّما ما لن يفعله بعد الآن، أو لعل روحه ظلت معلقة بهذا الخير تأبى مغادرته، على أية حال، لهُ ولكل معلم – أب كل التحايا، كُل الدعاء أن يتغمدهم الله برحمته، مع الاعتذار الكامل أن سربنا بعض ما بثوه خفاء، لأنهم يستحقون أن يكونواْ جرماً يستضاء به وشربة ماء للعطاشى والحائرين..