مساءات فلسطين وأنفاس أزقتها

blogs - علم فلسطين
سبع وستون عاماً مضت والفلسطينيون بلا وطن يتأبطون الخيبات والانهيارات، ويتجرعون ألم التشرد والضياع، ويحلمون بمساءات فلسطين وأنفاس أزقتها، سبع وستون عاماً والفلسطينيون يحملون أشلاء هويتهم بين حصار وحصار وتنازل وانقسام، يكابرون في التغلب على الكبوات، سبع وستون عاما وما يزال أمل العودة والتحرير يراود الصغار قبل الكبار، سبع وستون عاما على اغتصاب فلسطين وإقامة العدو الصهيوني لكيانه على أرضها، سبع وستون عاماً من الإرهاب الذي اتخذ أشكالاً وأساليب مختلفة من قتل وترويع واقتلاع ومذابح وتهجير جماعي، إلى تدمير للقرى وتحويلها إلى أثر بعد عين.
يأتي هذا بالإضافة لما يفعله من تهويد للقدس وطمس لمعالمها العربية والإسلامية وتدمير الحجر والشجر وإبادة للبشر، 67 عاماً وهناك خيطاً واحداً يجمع العرب في أتون الصراع الدامي الذي لم تكتمل فصوله بعد في أرض عربية هي فلسطين وما حولها، لأن معظم التداعيات التي أثرت في هذه المنطقة العربية بكل خيبات الأمل وضياع الحلم قد نبتت من جذوة هذا الصراع المدمر.

عادة ما تلجأ الأمم للتاريخ لتستخلص العبر منه، وليغيروا من سلوكهم من جراء هذه الخبرة وليتفادوا ما حدث في السابق من سلبيات ويؤكدون الإيجابيات، وحتى يفعلوا ذلك لا بد من معاودة قراءة التاريخ قراءة صحيحة غير متحيزة وغير محرفة، وهنا وفي ظل الربيع العربي يرتسم في الذهن سؤال لا بد من طرحه هل حقا قرأ العرب التاريخ بعد سبع وستين عاما على نكبة فلسطين قراءة متأنية مستفيدين من أخطاء الماضي، أم أنهم كما قيل لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون ما يقرؤون.

البلاد العربية لا تزال تسبح في خضم فوضى كبيرة، فلا يوجد تحديد واضح لملامح المجتمع السياسي، ولا قواعد متفق عليها للشرعية السياسية، ولا يوجد مفهوم واضح وجلي للحقوق والواجبات.

بعد سبع وستين عاماً العرب يتقدمون إلى الوراء، ربما كنا من أكثر الشعوب تذكرا للماضي بما فيه من تواريخ وأثقال مطمورة، ولكننا بالتأكيد أبعدها عن استخلاص التجربة والعبرة من أحداث هذا التاريخ، تمر الأجيال جيلاً بعد جيل وتبقى بعض حوادث التاريخ عالقة في الأذهان، تضيف إليها الذاكرة الشعبية الكثير الكثير من التفاصيل المتخيلة وتنقص منها أيضاً ولا يبقى منها إلا خلاصة التجربة والدرس المستفاد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل سيتحول تاريخنا العربي تدريجياً إلى قيد من الصعب الفكاك منه؟

وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من النظر في واقعنا العربي الراهن، وعندها يمكننا القول لقد تغير الزمن وتغيرت معه أحوال العرب السياسية والاقتصادية لا وبل الحضارية، فالبلاد العربية لا تزال تسبح في خضم فوضى كبيرة، فلا يوجد تحديد واضح لملامح المجتمع السياسي، ولا قواعد متفق عليها للشرعية السياسية، ولا يوجد مفهوم واضح وجلي للحقوق والواجبات السياسية في الوطن العربي.

لذلك بحثت الدول العربية عن كبش فداء خارجي لهذه النكبات "كالاستعمار والإمبريالية، دون النظر بعمق إلى الداخل، إلى تكويننا الاجتماعي، وشجاعة التحليل العلمي الصحيح له (منذ نكبة فلسطين) وهزيمة "حزيران" وتوقيع مصر اتفاقية (كامب ديفيد) إلى احتلال العراق للكويت، إلى القضية الفلسطينية ودخولها في مفاوضات مع الكيان الصهيوني، مروراً بمدريد ثم "أوسلو" و"أنا بولس" وكذلك توقيع الأردن اتفاقية "وادي عربة" إلى مسألة الصومال وانقسام السودان ولبنان وأوضاع تونس ومصر وليبيا والأردن والبحرين وسورية وغيرها من الدول العربية.

الكيان الصهيوني لم يستطع أن يبطل مشروعية نضال الفلسطينيين من أجل الحق الإنساني البسيط والمعترف به في كل مكان وفي كل تشريع دولي، الحق في المساواة وفي الحرية.

وليس انتهاء بالخلافات العميقة التي تبرز بين القادة والدول العربية سواء بشأن مسألة حدودية أو من أجل لعبة قدم أو تبادل الاتهامات بالتدخل بالشؤون الداخلية، كل ذلك أدى إلى ضعف عصب توحيد أساسي في الأمة العربية، حيث تبدأ الانقسامات في الوطن العربي سياسية ثم تنقلب دينيا، ثم يصبح الاحتكام إلى القوة ديدن المتنافسين السياسيين.

خلاصة القول إن الكيان الصهيوني لم يستطع أن يبطل مشروعية نضال الفلسطينيين من أجل الحق الإنساني البسيط والمعترف به في كل مكان وفي كل تشريع دولي، الحق في المساواة وفي الحرية والحقوق والواجبات أسوة بكل شعوب الأرض، كما لن يتمكن من إبطال المقولة المشهورة لنيلسون مانديلا "بأن نضال الشعب الفلسطيني هو قضية الضمير العالمي الأولى في العالم"، ولا يتوقف مؤيدو الاحتلال الصهيوني عن الاستغراب من رفض الفلسطينيين الرضوخ رغم ما تلقوه من ضربات، كما يواصلون التعجب من الاندفاع المتجدد لمناصرة الحقوق الفلسطينية لدى الأجيال الفلسطينية الجديدة بمن فيها من ولدوا وعاشوا في الشتات، والذين لا يزيد مرور الوقت إلا عمق إحساسهم بالظلم وانعدام العدالة.