العرب في الحرب العالمية الأولى وما بعدها

blogs الحرب العالمية الأولى

بحسب إيريك هوبزباوم، فإن كل أمة تحتسب زمنها التاريخي وفقا للأحداث التي عايشتها وتركت آثارها في هويتها وذاكرتها، ومن هذا المنظور يقول هوبزباوم إن القرن العشرين بالنسبة لأوروبا كان قد ابتدأ مع الحرب العالمية الأولى التي حملت معها انتصار الثورة البلشفية في روسيا وقيام الاتحاد السوفييتي 1917، وانتهى مع سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية حقبة الحرب الباردة في العام 1991.

 

وإذا صح هذا التحقيب بالنسبة للزمن الأوروبي، فإن القرن العشرين العربي الطويل لا تزال فصوله مستمرة حتى يومنا هذا، فالقرن العشرين بالنسبة للعرب يمكن اعتباره ممتدا منذ الحرب العالمية الأولى التي أنتجت نظاما إقليميا جديدا كل الجدة في المنطقة ولما تزل آثارها وتبعاته مستمرة حتى يومنا هذا.

 

كانت الكيفية التي دخل بها العرب الحرب العالمية الأولى قد أسست لبنات لفصول الشتات الطويل الذي وسم التاريخ العربي بعد ذلك، فعلى الرغم من أن العرب لم يكونوا طرفا سياسيا فاعلا في الحرب، إلا أنه قد تم تجنيدهم قسرا على الجانبين، ففرنسا وبريطانيا قامت بتجنيد أبناء المستعمرات في المغرب العربي ومصر وزجوا بهم في الحرب في مواجهة الدولة العثمانية، بينما قامت الدولة العثمانية بتجنيد رعاياها في بلاد الشام والعراق في مواجهة بريطانيا وفرنسا!

 

حين خرج الناس للمطالبة بالديمقراطية والحرية وعقلنة المجال السياسي، لم يجدوا ردا على مطالبهم سوى الرصاص الحي ثم البراميل المتفجرة حين فشل الرصاص في ردعهم!

كانت الأمة العربية هي الأمة القومية الوحيدة التي قاتلت مع كلا الطرفين في تلك الحرب، وقد كان هذا مقدمة الشتات العربي الكبير الذي استمر حتى يومنا هذا، وقد فطن لهذا الشاعر العروبي ميخائيل نعيمة الذي شارك في تلك الحرب بعد تجنيده من قبل الدولة الأمريكية، حيث كتب مرثية للذات العربية بصورة بليغة ومؤلمة تختزل ما سيلقاه العرب من مصير مشؤوم كان قد تشكلت ملامحه في تلك الحرب، فيقول:

 

أخي! إن ضجّ بعد الحرب غربيّ بأعماله

وقدّس ذكر من ماتوا وعظّم بطش أبطاله

فلا تهزج بمن سادوا ولا تشمت بمن دانا

بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشعٍ دامٍ

لنبكي حظّ موتانا!

**

أخي! من نحن؟ لا وطنٌ ولا أهلٌ ولا جارُ

إذا نمنا، إذا قمنا، ردانا الخزي والعارُ

لقد خمّت بنا الدنيا كما خمّت بموتانا

فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر

نواري فيه أحيانا!

 

كان هذا الرثاء للذات العربية من مات منها ومن قدُر له البقاء، قد استشرف المآلات التي سينتهي لها العرب في وضعية كتلك الوضعية التي كانوا عليها، وبالفعل ما إن انتهت الحرب حتى أخذ المستعمر يعبث بجغرافية المشرق العربي ويعيد تشكيلها وفقا لمطامعه العسكرية ومصالحه الاقتصادية وحماية خطوطه التجارية!

 

بمرور الزمن، تفاقمت أزمة الدول العربية وظهرت شيئا فشيئا تجليات فشلها خلال المئة عام على مرور تلك الحرب، وقد واجهت الدولة العربية هذا المأزق باستخدام مزيد من سياسات العنف والقمع والترهيب

لكن الصورة لم تكن بهذه القتامة المطلقة، حيث ظهرت حركات مقاومة مسلحة استطاعت أن تجهض الكثير من المخططات الاستعمارية، ففي بلاد الشام تم إجهاض مشروع الدولة التي وعدت بها فرنسا زعماء الطائفة الدرزية، وقد استطاعت حركات المقاومة المسلحة تحقيق الاستقلال بعد نضال طويل ومرير ضد المستعمر.

 

ثمة من يرى أن هذا الاستقلال لم يكن سوى استقلال صوريّ، فالجغرافيا الاستعمارية التي شكلها المستعمر كانت قد تركت دولا ضعيفة وهشة سواء من حيث مقوماتها المادية الاقتصادية، أو من حيث مصادر شرعيتها السياسية، وهذا صحيح إلى حد كبير، ولذا فقد بقيت هذه الدول رهينة التدخلات الأجنبية والسياسات الاستعمارية وبخاصة بعد إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948.

 

وبمرور الزمن، تفاقمت أزمة الدول العربية وظهرت شيئا فشيئا تجليات فشلها خلال المئة عام على مرور تلك الحرب، وقد واجهت الدولة العربية هذا المأزق باستخدام مزيد من سياسات العنف والقمع والترهيب، وحين خرج الناس للمطالبة بالديمقراطية والحرية وعقلنة المجال السياسي، لم يجدوا ردا على مطالبهم سوى الرصاص الحي ثم البراميل المتفجرة حين فشل الرصاص في ردعهم!