الإعلام الجديد وإدمان التفاعل

blogs الهاتف

اتسم الإعلام التقليدي عبر آلاف السنين – منذ ظهور الكتاب كوسيلة اتصال جماهيري – بضعف التفاعل مع الرسائل التواصلية التي يتم تلقّيها، إما بسبب أن الوسيلة التواصلية لا تتيح ما يعين على التفاعل بتقديم التغذية الراجعة، أو بسبب ضعف المهارات التواصلية التي تساعد على التفاعل.

 

وعندما ظهر الإعلام الجديد بعد ظهور شبكتي الإنترنت والويب وتطور الأجهزة الرقمية المحمولة التي تتيح التواصل عبر فضاءات الإعلام الجديد لغالبية الأفراد، أصبح التفاعل متاحا للجماهير ليس فقط باعتبارها متلقية للرسائل التواصلية، وإنما كذلك باعتبارها منتجة وملقية لها. وساعد على ذلك الانبهار بسلطة إلقاء الرسائل التواصلية الإعلامية التي كانت شبه محتكرة من لدن الإعلاميين المحترفين حتى تحولت إلى ما يشبه السلطة الرابعة التي تراقب السلطات الأربع الموجودة في الدولة. ويتضح جليا أن الأكثر إدمانا هم مَن حُرِموا من امتلاك سلطة إلقاء الرسائل التواصلية التي كان يهيمن عليها المتواصلون الإعلاميون المحترفون (الصحافيون) عبر وسائلهم التقليدية، وعندما فُتّحت أبواب الإعلام انكبت الجماهير الغفيرة ظمأى تسعى للارتواء من بحر التواصل دون جدوى.

 

هكذا قاد تعطش الجماهير للتفاعل والتعبير عن ذاتها ومعرفتها، إلى إغراق فضاءات الإعلام الجديد بسيول من الرسائل التفاعلية المتشعبة محدثا ظاهرة أشبه بالإدمان الجماعي حيث تستأثر العمليات التواصلية الرقمية بجل أوقات الفراغ وتتغول على الأوقات التي كانت مخصصة للتواصل الاجتماعي التقليدي، ووصل الحال عند بعضهم للاهتمام بالتفاعل على حساب أداء العمل وكسب العيش. إذ لم يعد الأمر يقتصر على القراءة، بل أصبح لزاما الرد على جل الرسائل الواردة، وهناك البعض منها الذي يستجدي التمرير إلى متواصلين آخرين، فضلا عن تلك التي تستحق تنزيلها وتخزينها.

 

هناك دائما من يكفي المتواصل مشقة إنتاج الرسائل التواصلية التي يمكن استخدامها في الترحيب والتهنئة والمجاملة والتذكير والتحذير والتشجيع، وما عليه إلا أن يبذل بعض الجهد في البحث، أو تأتيه جاهزة راضية من جهة ما فيمررها إلى الآخرين

إن ما ساعد على انتشار التفاعلية وتحولها إلى حالة إدمانية، هو حقيقة كون إتاحة التفاعلية ركنا رئيسا من أركان الإعلام الجديد. فكل ما يتخذ شبكة الويب وسيلة للتواصل، يتأثر ويستفيد من خاصيتها التي تتيح إمكانية التفاعل بأكثر من شكل وفي كل وقت ومن أي مكان. فبدءا من الصحف الإلكترونية التي تتيح للمتلقين إمكانية كتابة تعليقاتهم أسفل الرسائل التواصلية المنشورة والمشاركة في الاستفتاءات، وصولا إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي يكاد يتساوى فيها الملقي بالمتلقي من حيث فرص الإلقاء باستخدام كافة الوسائط (من نص وصورة وصوت وفيديو وحركة).

 

لا تقتصر تفاعلية الإعلام الجديد على إنتاج رسائل التغذية الراجعة التي تثري العملية التواصلية، بل تتعداها إلى المشاركة حتى في غياب الرسائل التواصلية المتضمِنة لمعلومات ومواقف، من خلال تمرير رسائل الآخرين أو الاكتفاء بإبداء الإعجاب أو اختزال المواقف في الإيقونات المعبرة عن انفعالات أو أشياء ذات دلالة مرتبطة بمحتوى العملية التواصلية. فهناك دائما من يكفي المتواصل مشقة إنتاج الرسائل التواصلية التي يمكن استخدامها في الترحيب والتهنئة والمجاملة والتذكير والتحذير والتشجيع، وما عليه إلا أن يبذل بعض الجهد في البحث، أو تأتيه جاهزة راضية من جهة ما فيمررها إلى الآخرين.

 

لقد وقع عدد كبير من المتواصلين في إدمان التفاعل مع رسائل الآخرين، انطلاقا من آداب التواصل التي تقتضي عدم إهمال الرسائل التواصلية الواردة من الآخرين من خلال تلقيها والرد عليها، وبسبب تخصيص الوقت الذي كان يقضيه المتواصل في التواصل المواجهي المباشر أو في القراءة أو التواصل الذاتي، لمزيد الاطلاع على سيل الرسائل التواصلية المنهمر عبر قنوات الإعلام الجديد. فقد أضحى مألوفا أن يجد المرء نفسه لاهثا وراء الرسائل التي ترد إليه من جهات متعددة عبر تطبيق الواتساب، وبكيفية متزامنة تأتي رسائل الفيسبوك التنبيهية مع رسائل البريد الإلكتروني، وقد يكون أدمن التسكع في المراسلات (Posts) أحد المنتديات التي تبرع في سرقة الوقت عندما يستعر النقاش في أحد محاورها، وكل ذلك قد يتخلله المكالمات الهاتفية المسموعة أو المرئية.

 

يتجلى الإدمان في التهافت على تقديم التغذية الراجعة دون تمحيص للرسائل التواصلية المُعَدّة من حيث سلامة اللغة ووضوح المحتوى والملاءمة لمقتضى الحال والتأكد من الوسيلة التي توصل الرسالة إلى المتلقي المعني بالأمر، فضلا عن اختيار الوقت الملائم لإرسال الردود.

 

تكمن خطورة هذا الإدمان التواصلي في تحول الفرد إلى حالة لا يستطيع معها معرفة مع مَن تواصل وما الرسائل التي أرسلها! كما أن ذاكرته ستعجز عن تخزين ما تلقاه أو ألقاه من رسائل تواصلية بسبب الدخول في عمليات تواصلية أكثر مما ينبغي

كما يتجلى الإدمان في تعدد المنابر التواصلية وتنوعها والتي تصل إلى عشرات وربما مئات عند البعض (ممن يدمنون التواصل عبر الواتساب ضمن مجموعات وثنائيات بالإضافة إلى تغذية صفحة الفيسبوك وما تمطر به المتواصل من تحركات الأصدقاء الذين قد يصل عددهم إلى بضعة آلاف صديق).

 

هذا الإدمان يجر صاحبه بعيدا عن القراءة الجادة التي تحتاج إلى ساعات من التلقي الفعّال دون تقديم تغذية راجعة؛ ويحرمه من لذة النص ولذة تلقي الفنون المرئية الأمر الذي يراكم المعرفة ويجعلها مثمرة. فالنصوص الإبداعية والأعمال المرئية (كاللوحات التشكيلية وتصميمات الجرافيك ومقاطع الفيديو والمقاطع الصوتية) يجب ألا يمر عليها المتلقي مرور الكرام إن أراد الاستمتاع بمكنوناتها.

 

تكمن خطورة هذا الإدمان التواصلي في تحول الفرد إلى حالة لا يستطيع معها معرفة مع مَن تواصل وما الرسائل التي أرسلها! كما أن ذاكرته ستعجز عن تخزين ما تلقاه أو ألقاه من رسائل تواصلية بسبب الدخول في عمليات تواصلية أكثر مما ينبغي، وبسبب ضيق الوقت الذي لا يسمح باسترجاع شريط العمليات التواصلية والتأمل فيه وأخذ العبرة منه. وخير مثال: كثرة الاعتذارات عن تمرير الرسائل غير المقصودة، والتي أصبحت مألوفة عند المتواصلين عبر فضاءات الواتساب.

 

فهل يتحول هذا المشهد التواصلي إلى ظاهرة عابرة يتم تجاوزها بفعل الملل والاقتناع بعدم الجدوى، أم تتحول إلى سلوك دائم يجبر المهتمين إلى البحث عن علاج لهذا الإدمان التواصلي الجديد الذي قد يهدد قدرة الإنسانية على إنتاج المعرفة المثمرة التي تستند إليها استمرارية الحياة وتطورها؟