حماس ما بعد الوثيقة.. ما الجديد؟

Hamas leader Khaled Meshaal gestures as he announces a new policy document in Doha, Qatar, May 1, 2017. REUTERS/Naseem Zeitoon
نجحت حماس في الأسابيع الماضية وحتى هذه الساعة في جعل موضوع "وثيقتها الجديدة" عنواناً رئيسياً في التغطيات الإعلامية، لم تكن المسألة مجرد دعاية إعلامية. حماس كانت تمهّد بذلك لقاعدتها الجماهيرية المتوجّسة، وتستدرج ردود الأفعال على البنود المسّربة من الوثيقة. مسألة الجدل حول ميثاق الحركة الذي صدر عام 1988، ليست وليدة الأشهر الماضية، لقد تنامى الجدل حول الميثاق خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وخصوصاً بعد تصريحات الراحل أحمد ياسين بقبول "دولة على حدود 67" كحل مؤقت، ومن ثمّ حين وقعت حماس على إعلان القاهرة الذي يُفهم منه استعداد حماس دخول المنظمة دون تبنّيها الإسلام، ومن ثم مشاركتها في الانتخابات وتجربتها في الحكم. كلّ هذه التطورات أظهرت تناقضاً واضحاً بين بنود ميثاق حماس وخطابها وسلوكها السياسيين.
 

بعض قادة حماس انتقدوا الميثاق مراراً، شأنهم بذلك شأن خصوم الحركة ومنافسيها. مع ذلك، استمرّ الميثاق دون مساس لما يقارب الثلاثة عقود، وحين ارتأت الحركة ضرورة التفاعل إيجاباً مع هذا النقد لعوامل عدّة، لم تجرؤ على استبداله، بل أتت بوثيقة جديدة، وحرصت في أكثر من مناسبة على التأكيد بأنّ هذه الوثيقة ليست إلغاءً للميثاق. وعليه؛ يمكن الاستنتاج أنّ خشية حماس على وحدة صفّها، ورصيدها الجماهيري هو الذي حال بشكلٍ أساسيّ دون المساس بالميثاق.

تُظهر حماس في وثيقتها الجديدة نُضجاً يتجاوز الخطابات الانفعالية التي صدرت عن القيادات الفلسطينية مراراً. وتدرك أنّ العلاقة مع الأنظمة العربية ضرورية لتأمين حركة الفلسطينيين بحدّها الأدنى، وضمان الإسناد المالي للمؤسسات الفلسطينية.

حماس لا تريد أن تظهر أمام الشعب الفلسطيني كمن يسير على خطى منظمة التحرير، خصوصاً أنّ الحركة تتعرّض لضغوط محلية وإقليمية ودولية قد تظهر حماس كحركة مهزومة، وهو ما يعني خسارتها لشريحة من أنصارها، ووفق تقديرات أكثر تخوّفاً، قد يحدث الأمر انشقاقات في الحركة. لذلك يبدو خيار "الوثيقة الجديدة" التي أُعلنت في الساعات الأخيرة، خياراً أسلم للبناء التنظيمي للحركة.
 

يمكن فهم استراتيجية حماس في المرحلة المقبلة والعوامل التي دفعت بها إلى الإعلان عن هذه الوثيقة الآن، من خلال تحليل بعض بنود الوثيقة الجديدة. إجمالاً، فإنّ الوثيقة الجديدة أكثر انسجاماً مع خطاب وسلوك الحركة السياسيين خلال الأعوام الماضية، ويمكن الادّعاء هنا أنّ بنود الوثيقة الجديدة تفسيرية وتوضيحية للميثاق أكثر من كونها انقلاباً عليه أو تناقضاً معه.
 

منذ نهايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية والحركة تبدي مؤشرات عديدة على سعيها للمشاركة في إدارة مؤسسات السلطة والمنظمة، والشراكة مع كافة الفصائل الفلسطينية. بعد إعلان الوثيقة، تبدو حماس الآن أكثر قدرة على بناء هذه الشراكة، والمحاججة أمام منافسيها أنّ أدبياتها وخطابها وسلوكها تؤكد على جاهزية الحركة لأن تكون جزءاً متجانساً مع بقية أجزاء النظام السياسي الفلسطيني.

ففي الوقت الذي كانت فيه الحركة تقدّم نفسها في الميثاق كحركة إسلامية بالدرجة الأولى، وتشترط تبنّي المنظمة للإسلام كي تنضم إليها، وتحصر المقاومة في العمل العسكري، ها هي اليوم، تعلن نفسها كحركة فلسطينية بالدرجة الأولى دون أيّ امتدادات تنظيمية غير فلسطينية كما هو واضح في المادة الأولى من الوثيقة، وتشترط إصلاح المنظمة وتؤكد على ضرورة الاحتكام إلى الديمقراطية ولا تستثني أيّ نوعٍ من أنواع النضال ضدّ الاحتلال كما يتبيّن من المواد 23،29 و28 . هذا ما يعني أنّ الخطوات القادمة للحركة على الصعيد الفلسطيني، أنها ستولي اهتماماً أكبر لمسألة الانضمام إلى المنظمة، وأن تسعى لبناء تحالفات فلسطينية لتجاوز حقبة "أوسلو"، مع إمكانية التفاهم على خيار المقاومة الشعبية للاحتلال في الأراضي المحتلة عام 1948.
 

تُظهر حماس في وثيقتها الجديدة نُضجاً يتجاوز الخطابات الانفعالية التي صدرت عن القيادات الفلسطينية مراراً. وتدرك أنّ العلاقة مع الأنظمة العربية ضرورية لتأمين حركة الفلسطينيين بحدّها الأدنى، وضمان الإسناد المالي للمؤسسات الفلسطينية، كما تؤمن بأهمّية الدعم الشعبي العربي وخصوصاً ذلك الدعم الذي تناله من أعضاء الاخوان المسلمين في الوطن العربي. وهنا يبدو عدم إشارتها للعلاقة مع الإخوان في بنود وثيقتها الجديدة، سحباً للبساط من تحت أقدام من تعامل معها كجزء من تنظيم الإخوان، بما أعاق علاقتها مع دول كمصر والأردن والإمارات.

كان واضحاً في بنود الوثيقة الجديدة أنّ حركة حماس قد صاغت بعض البنود كي تيسّر على نفسها التعامل مع بعض القوى الغربية المتحالفة مع إسرائيل، لا كي تقيم علاقات طبيعية معها.

كما أنّه يعفيها من حرج الإشارة إلى انفكاكها عن الإخوان أمام مناصريها في الداخل والخارج. وهو ما سيسهّل على الحركة إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية دون تطوّرها بشكل ملحوظ، إذ أنّ موقف بعض الدول العربية منها لا يرتبط حقيقة الأمر بميثاقها أو شكل علاقتها بالإخوان، بقدر ارتباطه بطبيعة التحالفات والمحاور في المنطقة العربية وموقع حماس من هذه المحاور.

على الصعيد الدولي، كان واضحاً في بنود الوثيقة الجديدة أنّ حركة حماس قد صاغت بعض البنود كي تيسّر على نفسها التعامل مع بعض القوى الغربية المتحالفة مع إسرائيل، لا كي تقيم علاقات طبيعية معها. الوثيقة الجديدة أكّدت على نبذ التطرف والتعصب والطائفية، ونادت بقيم التسامح والعدالة وقبول الآخر وحقوق الأقليات، ووضّحت بما لا يدع مجالاً للتأويل بأنّ صراعها مع الصهيونية، لا مع اليهودية، بيد أنّ هذا لا يتيح لها المجال كي تفتح علاقات مع الأنظمة الغربية الرسمية بشكل طبيعي، فمواقفها الواضحة الرافضة لأوسلو، والمؤيدة للعمل العسكري ضد الاحتلال والمؤكدة على عدم شرعية إسرائيل، تم التأكيد عليها في بنود الوثيقة الجديدة، وهي تتعارض مع شروط اللجنة الرباعية. حماس بذلك تسهّل الدفاع عنها من قبل مناصري الفلسطينيين في العالم، لكنّها ستبقى جهة ترفض القوى الغربية التعامل معها.
 

رغم أنّ الأقلام ستتجه في الأيام القادمة للتركيز على قبول حماس لدولة في حدود عام 1967، أرى أنّ هذه الوثيقة تبعد الفلسطينيين أكثر عن هذا الخيار. حماس وضعت القبول مشروطاً بكونه مؤقت، وحماس ترى أنّ الدولة لاحقة للتحرير لا سابقة له، وهو ما يعني أنّ تركيزها سينصبّ على المنظمة لا على السلطة، وحماس ترفض أوسلو وتقبل بأدوات نضالية جديدة وهو ما يعني سعيها لبناء تحالف رافض لأوسلو قد تكون شريحة من حركة فتح قد بدأت فعلاً بالتفكير به، على أن يتبنّى هذا التحالف خيار المقاومة الشعبية للاحتلال.