جرعة يأس صغيرة

blogs - امرأة جالسة في بيناية
بعد اثنين وعشرين أيقنت أنها زهرة مشنوقة بين صخرتين، شمس تحترق بصمت وتبتلع رمادها كي تبقَ على قيد الحياة، حوت أزرق يختنق في عمق البحر، يسأم من ثقله ورائحته النتنة فيرميه إلى الشاطئ لتنهش جسده المظلوم كلاب سوداء أخرجها الليل من ذمته.
أراها سحابة ثقيلة معلقة وسط السماء، تغار من أجنحة الملائكة المحلقة حولها، فتلتهم نفسها كي لا تموت ألما، نبكي ونحن نصلي عليها ليس حزنا على فراقها بل لأن العطش أوجع حناجرنا وجفف ألسنتنا فما عدنا نتحدث سوى بلغة البكاء.

إننا أصغر من أن ترَانا الحياة، كي تحرق مدامعنا أنوار الظهيرة الملهبة، وأصواتنا مخنوقة بصداها العائد محدودبا ومهزوما من ضربات الجدران بلا جدوى، لم يشبعها فتات اللحم المتجدد من أضلعنا، حتى بتنا نقدم أحلامنا قرابين تحت قدميها العرجاوين. 

قل لفكيك المتباعدين حين الضحك ألا يفترقان، قل لهما إن كل أسراب الغبار الهاربة من فجوات الريح ستعمران مهجتك الممتلئة بما تجهله أنت، ستسرقان كل ما اعتدته فيك أمام مرآتك، ستستيقظ ذات صباح ولن تجد وجهك، ستموت بعد أن يخدش جسدك نسيم الربيع المستغفل لثغرك الباهت في ألوانه المولودة عنوة من رحم الأزهار، لن تقبل رائحته أنفك المشرد بين ذراته، وستبكي حين تعلم أنه يرَى جميع الظلال إلا ظلك، أنه يجاهد كل عام كي يتلاشَ عمرك من فراغه، ستبكي حتى يغرق البحر في نفسه حين تعلم أن أمواجه تلاحقك، كي تحتفظ بملحها في جوفك.

قل لطواحين الهواء ألا تنتظر كثيرا، فقد مات الريح ولن يأكل القمح سوى النمل المتلصص على رائحته منذ قرون، خذ أشياءك النائمة في أحشاء الليل واهرب من ظلك قبل أن يلاحقه شبح الفارس المقتول بوحشة الغاب، خذ أنفاسك الذائبة في الفضاء وعانق طرفيه بجناحيك المنكسرين من ثقل الظلام، حيث لن تجد حدا كي تصطدم به مجراتك الطائفة أمام عينيك الجاحظتين.

هم لا يؤمنون بحقيقة إيمانك أن اليأس طعام المفتقر، كهف رأيته بلذة السفر مع الصلوات، هم يعلمون أن غوصهم في جهنم الدنيا سيرسلهم إلى جنة الديار الأبدية وستبقى أنت وقافلتك مجردين من كل شيء.

تذكر كم جاعت أصابعك النحيلة لدفء الشعاع المنبثق من ينابيع الشتاء وقد نخر عظامها البرد المرتعد فوق جلدك الرقيق، لن تكفك حرارة ملابسهم المصنوعة بعرق العبيد تحت حرقة الصيف، حتى لو استعبدتك مشاعل القلوب ومحاجر المقل، لن يدفئك سوى لهيب الجرح المفقوءة أطرافه بشفرات مشاعرهم الزائفة، وربما يرديك ذلك أهجوزة مقابرهم الممتلئة بعقول ساذجة وقعت في شركهم كما أنت وقعت.

تذكر أنه عليك أن تحزم حروفك الأولى من صفحات الوعد الموقع بدمائك الأرجوانية ونشيدهم المقدس، فرنين أجراس الفراق أصبح أبشع من نعيق البوم المباغت لأذنيك الصاغية لألسنتهم منذ فكوا حبالهم السرية أمام حشود أفكارك المكتظة بمرارة لعابهم المتشردق دوما في حلقك، كي يُتوّجوا في نهاية طريقك ملوكا مخضبة أيديهم بانتصار بداية جديدة لهم.

نحن مجبرون أن نصافح الأمل في كل مرة نسقط فيها قبل بلوغ الأرب، تستوقفنا بهجة الذين يحتفلون بميلاد أرواح معاد تدويرها من بقايا أرواحهم الميتة، يستوقفنا جمال الورد المكلل على حلقات رؤوسهم اليانعة من بين حقول أكتافهم المسنودة بأسوار قلاعهم المحصنة، لا يفارقون حلبات المنافسة ولا حتى مدارج التشجيع، ينشطرون باستمرار كي يمتلئ الكون بهم، وبدروبهم المصنوعة بأوجاعهم، هم لا يؤمنون بحقيقة إيمانك أن اليأس طعام المفتقر، كهف رأيته بلذة السفر مع الصلوات، هم يعلمون أن غوصهم في جهنم الدنيا سيرسلهم إلى جنة الديار الأبدية وستبقى أنت وقافلتك مجردين من كل شيء..

عليك أن تتمنَى من الله أن يحررك من زنازين صحراء جرداء وأن يجعل منك نهرا متفجرا فيها وشهدا مداويا لثقوب أشواك الصبار الغائرة فيك، ولا تغن كما غنى أحدهم ذات يوم:

إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
عظم الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه
أن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه