الانتماء إلى الأرض نعمة أم نقمة؟

blogs سفر

"انا ع. عبود ولدتُ وترعرعت في مدينة صيدا وبين أهلها فقط أشعر بقيمتي كفرد فأنا أقيم معهم منذ ستين عاماً وقد أصبحتُ محطّ احترام للكبير منهم والصغير. إن تعلّقي بمدينتي منعني من مغادرتها منذ عدة سنوات حين عانت المنطقة من اقتتال شديد دفع بالعديد من سكانها للانتقال إلى مناطق أخرى، فقد كنت ولا أزال متأكداً أنني سأتحول إلى مجرّد رقمٍ لا قيمة معنوية له في أية بقعة أخرى على هذه الكرة الأرضية."

محقّ هو ربما السيّد عبود في تصريحه منذ أكثر من 15 عاماً ففكرة الانتماء للأرض متجذّرة في نفوس الكثيرين. لكن هل قوله إن الإنسان يتحوّل إلى مجرّد رقم بعيداً عن أرضه هو واقع؟ هل الانسلاخ عن الجذور يُفقِد المرء هويته وبالتالي نفسه؟

إن انتماء المرء إلى بيئته وما يخشاه إن هو غادرها هو مسألة يجدر التوقف عندها. فكم من الأشخاص رفضوا الابتعاد عن المكان الذي ترعرعوا فيه بحجة تشبثهم بأرض جدودهم. لكن أوليس في الحقيقة خوف هؤلاء من المجهول وعدم تحلّيهم بالجرأة الكافية لخوض غمار الحياة هو ما منعهم حقاً من الانطلاق نحو آفاق جديدة فخسروا بالتالي فرصة بناء مستقبل أفضل لهم. أولم يتحوّل لديهم مفهوم الانتماء إلى ترجمةٍ لمنطقة الراحة أو ما يُعرف بال"comfort zone" أي تلك المنطقة المغلقة التي تقدّم للمرء شعوراً بالطمأنينة والسلام حتى وإن كانت في أحيان كثيرة ملأى بالمآسي والفقر والعوز.

مع ذلك لقد أظهر لبنانيون كثر شجاعة عندما نجحوا في تذليل عقدة الخوف من المجهول وتجرأوا على الانطلاق نحو آفاق جديدة. ومن ناحية أخرى لعبت الظروف الأمنية والاقتصادية في لبنان دوراً كبيراً بدفع قسمٍ كبير من أبنائه إلى الهجرة نحو بلاد وأرض جديدة. 

إن عصر العولمة الذي نعيش فيه قد قلّص المسافات وألغى الحدود بين الدول بفضل الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي التي ربطت العالم بعضه ببعض

لكن هل بابتعادهم عن وطنهم فقد هؤلاء المهاجرون هوياتهم؟ هل تحوّلوا حقاً إلى أعداد لا قيمة لها؟ في الواقع ربما أخفق البعض منهم حيث استقروا لكن بالتأكيد هناك من تألّق وأبدع في مجالات متعددة وأحدث فرقاً كبيراً في البلد التي استقبله.

أما فيما يتعلّق بوطنهم الأم، ففي الماضي كان يصعب على المهاجرين التواصل المستمر مع لبنان وكان الشعور بالانتماء إليه يتلاشى مع الوقت عند الكثيرين منهم الى أن يخفت أحيانا نهائياً. لكن الظروف تغيّرت اليوم إذ كما بات معلوماً إن عصر العولمة الذي نعيش فيه قد قلّص المسافات وألغى الحدود بين الدول بفضل الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي التي ربطت العالم بعضه ببعض فأتاحت للجميع وبالتالي لأي لبناني في بلاد الاغتراب التواصل مع أبناء بلده بسهولة تامة.

 

ليس هذا فحسب بل إن هذه المواقع قدّمت لشاشات التلفزة ميزة جديدة ألا وهي إنشاء حسابات لها عبرها، تمكّنها من التواصل مع مشاهديها من مستخدمي الإنترنت وهم كثر. هذا التطور سمح إذاً في الفترة الأخيرة لكل لبناني مهاجر أو مقيم في إحدى الدول العربية مواكبة الأحداث في وطنه وإبداء رأيه فيها مباشرة وهذا ما لم يكن متاحاً له سابقاً إذ أن التفاعل على شاشات التلفزة التقليدية كانت يقتصر على بضعة اتصالات هاتفية من عدد محدود من المشاهدين وضمن برنامج أو اثنين ليس إلا. 

إذاً بخلاف العصر الذي عاش فيه السيد عبود، نجحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم بمنح أبناء وطنه ممن ابتعدوا عنه الشعور بأنهم لا يزالون وإلى حدّ ما ينتمون إليه. كذلك حقق لهم هذا الاختراع الجديد مزيداً من الثقة بقيمتهم المعنوية في لبنان وساعدهم لاستعادة جزء مما خسروه منها في الغربة. بين الأمس واليوم مفاهيم قديمة تتلاشى لتطلّ علينا مفاهيم جديدة. منها ما يخذلنا ومنها ما يساهم في إسعادنا وطمأنتنا إن قمنا بإرسائه في حياتنا.