لماذا يُتَّهم المثقف العربي بالدكتاتورية؟

blogs - books
الدكتاتورية اتهام يواجه المثقف العربي؛ من قبل الكثيرين في مجتمعاتنا العربية، وربما يعود ذلك إلى ادعائه أنه يمتلك الحقيقة الكاملة عندما يناقش موضوعا فكريا أو سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا أو علميا، ولا يستمع إلى الآخر بأذن واعية، بل يغلق أمامه كل السبل، ويصر على رأيه، ويستكبر استكبارا.
 
وإذا أردت أن تتأكد من هذه الحقيقة شاهد البرامج الحوارية في أي وسيلة من وسائل الإعلام، أو النقاشات في منصات التواصل الاجتماعي، تجد أن كلا من الطرفين يتعصب إلى رأيه وكأنه يقول: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ".

فليس هنالك احترام للرأي الآخر بل تسفيها له، وغالبا ما ينتهي الحوار بشتائم وألفاظ نابية، وقد يصل إلى حد الاشتباك بالأيدي، والتعارك داخل الأستوديو، أو الضرب بالجزم في بعض الأحيان، فهل مثل هذا المثقف ينتظر منه أن يسهم في معالجة مشكلات الأمة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية البالغة التعقيد؟ فالحوار عند المثقف العربي مسألة نصر أو هزيمة، بالحق أو بالباطل. وفي تقديري أن المثقف الحقيقي هو الذي يبحث عن الحقيقة، ويذعن إلى الحق متى ما ظهر له "رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ".

التعصب الفكري والسياسي الناجم عن الانتماء الحزبي الذي يحدث انسدادا في الفكر، وعمى في الرؤية، يجعل المنتمي يرى بأنه يمتلك الحقيقة وغيرة لا يملك شيئا، وأنه على الحق وما دونه على الباطل.

على المثقف العربي أن يقدم مراجعات لأفكاره، ومشروعاته الثقافية، والفكرية والإصلاحية كما يفعل المثقف الغربي، وليس في ذلك عيب ولا منقصة، بل فيه تأكيد لموضوعيته، وقدرته على مراجعة أفكاره من حين لآخر، وإنتاجها برؤية جديدة أكثر نضجا، وفي ذلك دليل على مصداقيته مما يجعل المتلقي يحترم مثل هذا المثقف الذي يحترم عقله، ولا يستخف به.

وقمة دكتاتورية المثقف العربي أنه يعيش في برج عاجي مع النخبة دون النزول إلى واقع الحياة والناس، والاختلاط بهم، وتلمس مشكلات الواقع وتحدياته، والأدهى وأمر أن بعض المثقفين يتحدثون بلغة استعلائية ربما لا يفهما عامة الناس، مما يجعله كأنما يؤذن في مالطا. وأحيانا تلتف حول المثقف بطانة سيئة لا سيما إذا كان من مثقفي السلطة تصنع منه دكتاتورا ثقافيا، فيوهمونه بأنه أكبر مثقفي العصر، بل المثقف الذي ينتهي إليه العلم؛ وذلك من أجل تحقيق أغراضهم، ومآربهم الشخصية.

ومن أكبر تناقصات المثقف العربي أنه يطالب بالديمقراطية السياسية، ويمارس الدكتاتورية الثقافية. ولكن السؤال المشروع من أين تسربت الدكتاتورية إلى المثقف العربي؟ ربما تكون هناك مؤثرات وملابسات عديدة أدت إلى ذلك منها:

1- مناهج التعليم: التي لم تضع في الاعتبار ضرورة غرس مبدأ احترام الرأي الآخر، وتربية الفرد منذ النشأة الأولى على هذه القيمة، فمناهجنا لا تشجع على مفاهيم الحرية، وثقافة الديمقراطية، والتفكير الناقد، وكيف لا تصنع مثقفا دكتاتورا وهي تُدَّرِسُ مفاهيم على شاكلة:
لَيتَ هِنداً أَنجَزَتنا ما تَعِد وَشَفَت أَنفُسَنا مِمّا تَجِد
وَاِستَبَدَّت مَرَّةً واحِدَةً إِنَّما العاجِزُ مَن لا يَستَبِد

2- التعصب الفكري والسياسي الناجم عن الانتماء الحزبي الذي يحدث انسدادا في الفكر، وعمى في الرؤية، مما يجعل المنتمي يرى بأنه يمتلك الحقيقة وغيرة لا يملك شيئا، وأنه على الحق وما دونه على الباطل.

3- أحيانا التربية الأسرية القائمة على الهيمنة، وعدم إعطاء الفرد الفرصة للتعبير عن رأيه بصراحة، واتخاذ سياسة الإملاء وسيلة للقمع، مما يكون له نتائج سالبة على شخصية الإنسان مستقبلا، فيمارس ما كان يمارس عليه باعتبار أن ذلك هو الصواب.

وحتى لا يكون حديثنا معمما خاليا من الموضوعية لا ننكر أن هناك حالات استثنائية من المثقفين العرب لا تنطبق عليهم مقولة دكتاتورية المثقف، ولكن هذه الفئة هي الأقل، والأغلبية من سبق عليه القول منهم.