شعار قسم مدونات

هل تعلمون ما السؤال؟

blogs - رجل في مسجد يصلي
يثور السؤال من فوره، فيتقدم المجيبون علّهم يجدون إجابةً، فيقول أولهم، الكتاب والسنة؛ ضيعناهما، فضعنا، ويقول ثانيهم التخلف المعرفي والانغلاق الفكري، والسؤال ما بين الاثنين في لَغَب، لم يشتف، إذ لا يزال ينجب أسئلة أخرى من رحم تلكم الإجابات، ومثالها في شأن الأول؛ على أي مهيعٍ نأخذ الكتاب والسنة؟ أمهيع السنة؟ أم الشيعة؟ أم السلفية؟ أم الصوفية؟ أم الإثنا عشرية الجعفرية؟ أم العلوية؟ فيجيب عن هذا السؤال الوليد كُثُر، وكلٍ منهم يراوده إليه، لأحقية المراد وصحة الديانة، فتتشعّع الأمور أكثر، وتضيع قافلة السؤال في فيافي الإجابات المبعثرة، التي لا زِمام لها ولا خِطام، فينبري من جديد للثاني وفي أعماقه الغرابة والكآبة والحطب، التي أشعلها في الأول وأحرق خيام المتتايعين المتتابعين على استرضائه، ويقول: ما التخلف وما المعرفة؟ فيتداخل المتمسكون بقشة السؤال الثاني ويعرجون؛ ليبرالية، علمانية، ماركسية، أو ما سواهما مما وصل إليه الغرب واستنهض به الدُّنى، وما التخلف؛؟ استدعاء النصوص في غير ما آخرة، والعيش في خرافة التراث، كما لو كان حياتنا؛ أو حياة الحياة. 
هل علمتم ما السؤال؟! ذلكم الانحطاط الروحي الذي اغتالنا وفكك عُرانا، وهل عرفتم ما الإجابة على ذلكم السؤال في غير ما ذكر آنفاً، من تخبط مريع، ورؤية مشوشة؟ أعتقد ولا أظن؛ أنها تكمن في كلمة واحدة: عرفنا الأوامر؛ ولم نعرف الآمر! تلك خلاصة العبث، الذي أذهب رياحين أرواحنا، فجثونا نتقمّم المعلومات دون معلمها، فوقعنا في شِراك شباكنا الواسعة، التي خرقها التيه، واستلبها التسطيح، "إن فأراً أحدث في مخزن غلالِنا نُقباً؛ وإلا فقل لي بعد أربعين سنة ونحن نُخزِّن الغلال أين حبوبنا!؟" مولانا الرومي. معذرة يامولانا؛ ليس فأراً واحداً، نحن نظلم الفئران، إذا ما استثنينا منهُن أحد، ففئران وعينا تتغوّط ولا تقرض، وفئران حواسنا تأكل، وفئران نفوسنا تروِّج، وشيطان شخوصنا يحلم بقوام الصِّراط الذي يقف عليه!

الروح التي ثوت في علل الفكر وشطّت في بِحار الهوى، لا تستطيع أن تتقبّل داعي الله، أو القليل من الفكر في شأن الخالق، ما لم تُحرِّف وتجادل، ولن ترى النور في العتمة التي اختلقتها في دواخلها، ما لم تدرك أن العتمة فيها.

كم عمرك، ثلاثون، أربعون، خمسون، ماذا تعرف عن الله، لا نسألك عن ذاته الجليلة، فتلك لا يعلمها إلا هو سبحانه، إنما عن صفاته، وأسمائه، واليقين التام فيهما، وبلورتهما في حياتك، فحين يقول أحدنا؛ يا رحيم، هل فعلًا علم حقيقة معناه، وصدق مناجاته، أم أنه مجرد لهجٌ يُقال، ومعنىً خاوٍ إلا بما يدل عليه اللفظ اللغوي، لا المعرفي؟ وكم يا تُرى عدد الذين يعرفون الله؟ وكم عدد الذين يعرفون أوامره؟ لا شك بأن الهوة غارقة يصعب تجسيرها، إلا أنه يسهل حصر العارفين، ويصعب حصر غيرهم، ما لم يوضعوا في قوالب المعلومات، تلك المعلومات التي يأخذونها على سبيل التثقيف أكثر من أخذهم لها بغية التزلف والتقرب إلى الله. كان أحدهم يعاود أم المؤمنين عائشة كي يستقي منها العلم، فقالت له ذات مرة:
– أوَتُطبِّق ما تتعلم؟
-لا
– يرحمك الله، فلماذا تُكثِر من حُجج الله عليك!

أين الخبرة الإيمانية؟ أين التجربة؟ والخوف يلف أنفاسنا من فقدان الرزق، من سوط الجلاد، من فوقية المدير، من كل أولئك الأقزام الذين تضخّمهم حاجتنا إليهم، "والله لو كانت السماء من النحاس، والأرض من الرصاص، والخلق كلهم عيالي، ما خشيت الفقر" الإمام الشافعي. هذا منطق العارفين، وليس المترسِّمون برسوم الإسلام. العارفون لا يعتزّون إلا بالله، ولا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه. سُئل أحد العارفين؛ كيف الطريق إلى الله، فقال له: اعرف الله تعرف الطريق إليه!

المحاضرات وكذا الخطب الجمعية التي تُدوّي في عالم الإسلام، استنزاف للوقت، وانحصار للفكر، وتخفيض للرّب جل جلاله، كلمات مستهلكة، وجُمَل مكرورة، ومواضيع تقليدية باردة. يحدثونك عن عذاب القبر، وعن دقة الصراط، بإيغالٍ كبير، ولا يتحدثون عن الله إلا بما يعرفه العوام قبل العامة، الأوامر والزواجر والتقريع والتوبيخ والقمع، لغة تلكم المنابر التي حفظنا لغتها، لا جديد في شأن التجديد، ولا تغيير في شأنِ التغيير، مجرد وظائف يتعاطون بإزائها الذهب، بمواعظٍ عرجاء ثير الدمعة وتحبس الفكرة، ومع ذلك توجد الأوامر والنواهي، وحين نسأل أين الله، نجدهم يختزلونه في أوامره، بل نجدهم يختزلونه بشكلٍ أكبر في الأوامر التي يراد لها أن تكون كذلك!

إذا ما فرضنا جدلاً أن الإسلام مجرد وظيفة فقط، فقد أسأنا أيّما إساءة في وظيفتنا، إذ حضرت الدنيا بكل تمظهراتها، وكنّا فيها كالوحوش في البراري، لاتسعنا بيوتنا، ولا تكفينا نساؤنا.

إن أثقل نومٍ هو نوم الغفلة، وإن أشد الأوجاع هي أوجاع الروح، فكما أن الأبدان تعتل، كذلك الروح هي الأخرى، فإذا ما عرفنا أوجاع البدن، فإن أوجاع الروح هي الذنوب، فالعليل لا يستصيغ القليل من الأكل إذا ما قدم إليه، كذلك الروح التي ثوت في علل الفكر وشطّت في بِحار الهوى، لا تستطيع أن تتقبّل داعي الله، أو القليل من الفكر في شأن الخالق، ما لم تُحرِّف وتجادل وتنازع في غير خلاف، ولن ترى النور في العتمة التي اختلقتها في دواخلها، ما لم تدرك أن العتمة فيها، لا في سواها، أما المستكثرون بأعمالهم، المتشبعون بها، فهم في ظلالةٍ أكبر، وفي توهمٍ مُفزع "من علامات الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند وجود الزلل" ابن عطاء الله.

المكان الذي ارتحلت إليه، هو ذات المكان الذي ارتحلت منه، وتحسب أنك قد برَّزت في عالمك، وأنت لا تعلم سوى ظاهر الحياة، أو أوامر الحي الذي لا يموت دون أن تحياها، فكيف إذا ما كنت في مفازةٍ عن الحي ذاته، تتلبّسك المعاناة وتذهب بك الأتراح كل مذهب، ومن ثم تدّعي أنك مسلم؛ ونحن نُسلِّم لك بذلك، إنما بأي معنى؟ في ماذا حققت كلمة مسلم؟ غير الأوامر والنواهي التي قصّرت وتُقصِّر فيها يومياً، ولتنظر في ماهية الإسلام بعمق؛ ولتنظر إلى سير كبار الأبدال، ثم انظر في نفسك؟ صدقني؛ ستكتسر المرآة التي ترى فيها ملامحك لشدة غرابتك عنها!

الطبيب يفهم جيداً ما يقوم به، ولا يصدر الخطأ عنه إلا نزراً، والمحامي يدرك المواد الواردة في الجريدة الرسمية فيفهمها ويتحفظها، ثم يجتهد في الانتصار لقضية موكِّلِه، فإذا ما فرضنا جدلاً أن الإسلام مجرد وظيفة فقط، فقد أسأنا أيّما إساءة في وظيفتنا، إذ حضرت الدنيا بكل تمظهراتها، وكنّا فيها كالوحوش في البراري، لاتسعنا بيوتنا، ولا تكفينا نساؤنا، ولا تهتدي قلوبنا لحرارة اليقين حين تقلباتها، في منازعٍ شتى، ومرائر جمّة، لا نلوي على شيء، ولا يستوي سوق تطلعاتنا، فكيف الحال إذا ما كان حديثنا عن الله؟! ما الإجابة التي يمكن أن يخطها الفشلة بعد السنين التي قضوها في "وظيفة" الإسلام بذلك الفشل، وما المآل إذا ما كانت الإجابة الصراع لأجل الدنيا، وحين ارتحالهم عنها كان السؤال لماذا رحلنا وآمالنا عريضة!