شعار قسم مدونات

"يا أخت هارون"

blogs - Quran
"إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"، كثيرا ما جلبت انتباهي هذه الآية في القرآن الكريم، حتى بلغت من خلالها قناعة مفادها أن الكثافة التي ذُكر بها هؤلاء القوم في النص القرآني هي توصيف للواقع المتكرر من شتى جوانبه السياسية والاجتماعية والسيكولوجية.

وأن كل مصطلح في القصص المتعلق ببني إسرائيل في النص القرآني ولو كنا نحسبه مصطلحا عابرا فقد يكون وسيلة كشف الغطاء عن المغالطات التي ارتكبها هؤلاء القوم بتحريفهم للكتب السماوية وتغيير الوقائع كما أن كل مصطلح ولو كان بسيطا فقد يكون مفتاح حل لغز من ألغاز الخلافات التاريخية الكبيرة في عقيدة هؤلاء القوم.. وهذا ما جلبني حقا في تعبير "يا أخت هارون".

و لعل هذا التعبير شدّ كل من مرّ عليه في سورة مريم قارئا أو مستمعا، بل لعلّ الكثير سأل وتساءل عنه وقرأ التفاسير وبحث عمن هو المقصود بهارون ليجد أن البعض قالوا أنه شقيق مريم وآخرون قالوا أنه نسبة لهارون النبي الذي جاء قبلها بمدة زمنية طويلة ليُطرح السؤال في آخر المطاف إن كان بالفعل تنسيبا له فلماذا ألقي القول على مريم ابنة عمران في ذلك السياق بالذات وفي ذلك الموقف مع بني إسرائيل؟

لقد كشف القرآن بهذا السرد القصصي الدقيق والمفصّل مزاعمهم وقدم لهم حقيقة تاريخية عن نسل المسيح عيسى بن مريم الذين حاولوا اغتياله من بعد أن تجلّت نبوته.

ومن منطلق هذا السؤال أظن أن الكثير مثلي لم يقتنعوا كثيرا بما جاء في بعض التفاسير. بداية يجب أن نذكّر بأن العقيدة اليهودية قائمة أساسا على عصبية عرقية وهذه العصبية تتجلى في أن المعتقد اليهودي يرى أن الماشيح أو "المسيح" لابد أن يكون من سبط يهوذا بن يعقوب لأن ملك المملكة العبرانية أو الإسرائيلية الأولى كان من نسل يهوذا ألا وهو سيدنا داوود ومن بعده سيدنا سليمان عليهما السلام..

بالتالي أجمع اليهود أن الماشيح الملك الخالد للمملكة اليهودية سيكون من ذات النسل ومن ذات السبط مما جعلهم إلى يومنا هذا يميّزون ويهتمون بكل من يُعتقد أنه من نسل يهوذا فيعطونهم مكانة مميزة باعتبارهم ورثة المُلك في مملكة إسرائيل ودخل في هذا الكثير من التزييف والتقمص والكذب ليختلط حابلهم بنابلهم ويزعم الكثير منهم أنهم من السبط الملكي مما ساهم في انقسامهم إلى عدة أطياف خاصة بعد السبي البابلي ..

ومن الأسباط كذلك سبط "لاوي" والذي يحظى بمكانة مهمة ومحترمة لا سيما أنه سبط الكهنة والعلماء ولكنها تبقى دون مكانة السبط الملكي .. ولاوي جاء من نسله العديد من الأنبياء لعل أبرزهم موسى وهارون عليهما السلام، والمهم هنا هو أن هذا السبط لا يمكن أن يحظى من أتى من نسله بالمُلك أبدا حسب ما ذكر في كتابهم المقدس..

وبالعودة إلى قصة مريم وموقفها حينما أتت بابنها قومها تحمله.. كان أول قول لبني إسرائيل هو توجيه التهمة لها بشيء من العجب "يا مريم لقد جئت شيئا فرياّ" فمريم جاءتهم بمعجزة لم يتوقعوها أبدا.. جاءت برضيع ناطق يقول أنه أوتي الكتاب وجعله الله مباركا أينما كان.. وجّهوا لها التهمة فورا لأنها بالنسبة لهم ليست مخوّلة بأن تأتي لهم بمثل هذا الأمر.. ثم جاء التأكيد على ما بأنفسهم بالنطق بالتنسيب "يا أخت هارون".

وللعلم هو التعبير الذي يستعمله العرب لتنسيب الناس إلى ذويهم وقبائلهم كمثل "يا أخ قريش" و"يا أخت اليمامة".. جاء هذا القول في هذا السياق وفي هذا الموقف بالذات ليؤكد القرآن بلسان بني إسرائيل أن مريم من سبط لاوي وتحديدا من نسل هارون وليست كما زعم اليهود بعد تحريفهم للكتاب وتقديمهم لمريم أم يسوع المسيح في كتبهم المقدسة بأنها فتاة يهودية من بلدة الناصرة مخطوبة لرجل نجار اسمه يوسف من نسل داوود من سبط يهوذا ابن إسرائيل ابن إسحق ابن إبراهيم..

إن المعتقد اليهودي يرى أن الماشيح أو "المسيح" لابد أن يكون من سبط يهوذا بن يعقوب لأن ملك المملكة العبرانية أو الإسرائيلية الأولى كان من نسل يهوذا.

وكأن الله في ذلك الموقف فرض على مريم الصمت لتكون الآية للناس واضحة وجلية ولا ريب فيها وليخلد قول بني إسرائيل وحده دون أي قول آخر لها.. فربما لو نطقت مريم في تلك الحادثة لحاججوا الله بما قالت ولأطّروا قولها في سياق أهوائهم وعنادهم كما جادلوا أمر الله في بقرة موسى.

لقد كشف القرآن بهذا السرد القصصي الدقيق والمفصّل مزاعمهم وقدم لهم حقيقة تاريخية عن نسل المسيح عيسى بن مريم الذين حاولوا اغتياله من بعد أن تجلّت نبوءته فجاء الموالي من بعدهم وحاولوا تصحيح جرم آبائهم بجرم أفظع وأبشع وهو تحريف قول الله في كتب السماء وما كتبوه بأيديهم وزعم أن المسيح هو ملكهم المنتظر الذي سيعود لحكمهم.

ونحن اليوم نتحدث عن هذه الحادثة لابد أن ندرك أنها ليست حادثة تاريخية عابرة بل هو واقع وحاضر وتاريخ متكرر وإن وجود دولة اسمها "إسرائيل" في زمننا هذا هو ليس وجودا اعتباطيا وليس وجودا خارج السياق القرآني بل هو من تجليّات النص فهذا الكيان لازال قائما على ذات العقائد التي سردناها أعلاه رغم أن علماءه يدركون جيدا ما جاء به القرآن ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. وإن القرآن كما كشف زيفهم التاريخي فقد وعدهم يوما تُساء فيه وجوههم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.