شعار قسم مدونات

موقع "آسك".. نعمة السؤال ونقمة الإجابة

blogs موقع Ask

منذ أيام قمت بفتح حساب لي على موقع "آسك" Ask، وهو لمن لا يعرف موقع يسمح للمشاركين بطرح أسئلة معروفة أو مجهولة الهوية على صاحب الحساب وتتم إجابتها علناً دون تحديد السائل. دفعني إلى ذلك أنني تلقيت عدداً من الأسئلة كثيراً ما وجدت نفسي أستصعب الرد أو التوسع في السؤال حتى لا أحرج السائلين. بدا لي أن فكرة الآسك فكرة جيدة.. الآن بعد أن مرت بضعة أيام وبعد أن وصلني عدد من الأسئلة أحس بأن أكثر ما وضحته لي التجربة أننا كثيرون جداً في هذا العالم.. وكثيرة جداً قصصنا.. وهو أمر يغيب عنّا ونحن ندور في دوائرنا الخاصة ونقوم بأمورنا المعتادة..

 

بعض الأسئلة مفصلة بشدة، تحكي كل شيء، هي فضفضة أقرب منها لسؤال محدد، وهي التي أجد نفسي أرتاح في الرد عليها أكثر، لأنها ليست سؤالاً محدداً يترتب عليه تصرف من صاحب أو صاحبة السؤال قد يكون صحيحاً أو خطأً.. لا أحد يحب تحمل مسؤولية أخطاء الآخرين! بعضها الآخر مقتضب جداً، قصير جداً تحس أن الغرض منه أن تقول للسائل كلمة تريحه، أن يسمع ما يريد منك.. تلك الأسئلة تستفزني، وغالباً ما أبدأ الجواب بأن السؤال تنقصه كثير من التفاصيل، كثير من التعيين، سؤال موجه ليس هدفه الإجابة التي تفيد، بل الإجابة التي تريح.. أقول لنفسي: ربما ليس علينا دائماً أن نرد على السؤال بجواب.. أحياناً طرح أسئلة أخرى هو ما يحتاجه السائلون.

 

لست ممن يجيبون هكذا دون استغراق وتعيين، تستهلكني الإجابات.. أفكر وأقلب الأمر في رأسي، أضع نفسي في موضع السائل أو من يسأل عنه، أتجنب العاطفة التي تعمي، ولكن علي أيضاَ أن أحافظ على قدر من التعاطف.. تمر بي أسئلة تؤلمني كثيراً.. وأسئلة تغضبني.. وأسئلة تجعنلي أدرك مجدداً كم أن عالمي صغير.. نكتب الكلام وننشر الأفكار ونعتقد أنها بصورة سحرية سوف تغير طبائع الناس وتؤثر في حياتهم.. ولكن للأسف ليس الأمر كذلك.. علينا أن نتكلم كثيراً وننشر كثيراً ونعيد ونزيد حتى نفنى.. وربما حتى عندها لن يتغير الشيء الكثير.. 

 

أنا أدرك الواقع، أعرفه جيدا.. أحفظه كما نحفظ المعوذات.. ولكنني لا أفيد أحداً عندما أقول له: الواقع يفرض عليك كذا وكذا.. هذه ليست مهمتي.. هذه ليست الطريقة التي بها يتغير الناس.. بأن نقول لهم: تفهموا الواقع وتعايشوا معه!

أتلقى تعليقات كثيرة من نوع: انزلي إلى الواقع، ما تقولينه نظرياً مقبول ولكنه ليس واقعياً، المجتمع لا يفكر هكذا.. أتردد قليلاً.. أفكر هل فعلاً ما أقوله للناس مثالي وخيالي؟ أنظر في حالي وحياتي.. هل فعلاً كان من المستحيل أن أختار ألا أستجيب للمجتمع وللواقع المفروض؟ في غالب الوقت لم يكن مستحيلاً.. كان متعباً ومكلفاً ولكنه لم يكن مستحيلاً..

أنا أدرك الواقع، أعرفه جيدا.. أحفظه كما نحفظ المعوذات.. ولكنني لا أفيد أحداً عندما أقول له: الواقع يفرض عليك كذا وكذا.. هذه ليست مهمتي.. هذه ليست الطريقة التي بها يتغير الناس.. بأن نقول لهم: تفهموا الواقع وتعايشوا معه! مهمتي أن أحاكم المجتمع، أن أشير إلى مشاكله، أو أكشف أخطاءه، أن أحرر الناس من قيود التي لم ينزل بها دين.. واجبي أن أدفع الناس باتجاه الأسوار.. بعضهم سيخترقها اختراقاً.. بعضهم سوف يثقب فيها ثقباً.. بعضهم سوف يحدث فيها شرخاً.. وآخرون سيقتربون كثيراً ويقفون بجانبها.. كلٌّ بقدر استطاعته.. هذا واجبي.. هذه مهمتي.

 

أما أن أكرر على مسامعهم: أنت مظلوم، أنت مقهورة، هذا واقعك، تحمل وتجمل، تعايش وتأقلم.. فلن يأخذهم إلى أي مكان.. ولن يأخذ الأجيال القادمة إلى أي مكان.. من أراد التغيير فسيدفع الثمن، لا نقول بأن الأمر سهل ولا ميسر ولا بسيط.. كل شيء يأتي بثمن.. ولكن بدلاً من أن ندفعه من أرواحنا ونفوسنا وراحة بالنا، فلندفعه من عزيمتنا وقناعاتنا وحياة تبحث عن الحق.

 

يظن الناس كثيراً أنني أتحدث من برج عاجي لا يعرف تفاصيل الأمور، وأنني لم أتعرض لكثير من الممارسات التي أنتقدها.. أحياناً أشعر بالرغبة في كتابة مذكراتي فقط حتى أبدد هذه الأوهام… منذ كنت فتاة صغيرة في المرحلة الابتدائية أذكر جيداً التعليقات على شيء يتعلق بشكلي، اياً كان.. كلّ يجد شيئاً يعلق عليه.. من زميلات في المدرسة (نعم طفلة في الصف الثاني الابتدائي بها من التشوه ما يدفعها لمعايرة زميلة لها بشكلها)، ومن أصدقاء العائلة والأقارب حتى أنهيت مرحلة المراهقة المنكوبة، ثم تعليقات واعتراضات على اختياري الأكاديمي وانتقالي من التخصص العلمي المرموق إلى التخصص الأدبي المحتقر، تعليقات على أنني لن أجد من سيتزوجني إذا أكملت دراستي العليا لأن الرجال لا يحبون المرأة المتعلمة "زيادة عن اللزوم".

 

تعليقات عندما قررت الزواج من رجل من جنسية أخرى (وكأننا من كوكبين مختلفين!)، تعليقات واعتراضات عندما قررت أنني لا أكترث لأعراف التجهيز للزواج ولم نقم أي حفلات سوى عقد القران، تعليقات لأنني لم أعامل بناتي كعرائس المولد أبروزهن حتى يتفرج عليهن الناس.. أذى بالكلمات وبالتصرفات والتعقيدات.. وماذا حدث لي بعد كل هذا؟ لا شيء..

 

كل شيء يحتاج إلى تفكير وحسن تأتي، كل شيء يحتاج إلى حساب الربح والخسارة، أحياناً نضطر لاختيار خير الشرين، وأحياناً لا نستطيع إلى أن نفعل ما هو أقل ضرراً.. ولكن في كل الأحوال علينا أن ندرك أنه بإمكاننا أن نجرب دفع الأسوار بعيداً قليلاً

الحمد لله أعيش حياة صحية، راضية عن نفسي وعن اختياراتي، أحسب أنني لم أظلمها ولم أظلم عائلتي بتحميل أنفسنا أحمال العادات عديمة الفائدة كثيرة الضرر، قادرة على أداء ما هو علي من مسؤوليات لأنني دخلت في كل هذا عن سبق إصرار وليس استجابة لضغط أو سعياً لإرضاء أحد. أحمد الله أولاً وأخيراً على كل القوة التي منحني إياها حتى أستطيع الوقوف بثبات ولا أستجيب إلى كل الملهيات والمتلفات في الأمور العظام.. تأثرت طبعاً في كثير من الأوقات وتبعت السرب وفعلت أموراً حتى لا أسمع كلمات وتلميحات وليس لأني مقتنعة بها، ولكن أحمدلله أنها لم تكن في اختياراتي المصيرية.

 

من أجل كل هذا، فأنا عندما أتحدث لا أتحدث عن غير تجربة، أتحدث وأنا مدركة لصعوبة الأمر، وأنا واعية بتكاليفه، لا أدفع بالناس إلى مواجهة غير محسوبة، بل أفتح عيونهم على نجاة ممكنة.. كل شيء يحتاج إلى تفكير وحسن تأتي، كل شيء يحتاج إلى حساب الربح والخسارة، أحياناً نضطر لاختيار خير الشرين، وأحياناً لا نستطيع إلى أن نفعل ما هو أقل ضرراً.. ولكن في كل الأحوال علينا أن ندرك أنه بإمكاننا أن نجرب دفع الأسوار بعيداً قليلاً.. أن نجرب ربما يكون هناك تلك الصخرة التي إذا زحزحناها انهار كامل السد..

 

لطالما قلت لنفسي كثيراً كلما سمعت أو تعرضت لموقف مؤذٍ، تذكري يا أحلام أنها كلها في الهواء، الكلمات والهمزات واللمزات والأفعال التي تعقد الحياة.. كلها ستتبخر في الهواء عندما تجتازينها.. لن تصاحبك إلى القبر.. ولا حتى إلى سنواتك القادمة.. فلا تعيشي حياتك حبيسة وهم دوام الحال.. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.