شعار قسم مدونات

مهاجم القرن العشرين

GOSFORD, AUSTRALIA - NOVEMBER 25: Romario of Adelaide is challenged by Stewart Petrie of the Mariners during the round fourteen Hyundai A-League match between the Central Coast Mariners and Adelaide United at Bluetongue Central Coast Stadium November 25, 2006 in Gosford, Australia. (Photo by Mark Metcalfe/Getty Images)

ليلة من ليالي الصيف الجميلة، لم تكن ساخنة أو مشتعلة كحال هذه الأيام، يخلد جميع أفراد البيت إلى النوم، وطفل صغير لم يُكمل بعد سنواته العشر في الحياة، يسير في الخفاء مثل اللصوص ويترك فراشه ليخرج إلى غرفة المعيشة، يمشي على أطراف أصابعه حتى لا ينتبه أحد. لم يرتكب جريمة وقتها، لكن السهر حتى الصباح لمن هم في عمره في تلك الفترة كان أمر أشبه بالذنب الذي لا يُغتفر.
 

يقرر المشجع الصغير تشغيل التلفاز ويغلق الصوت تماما، لم تكن القنوات الرياضية المتخصصة في أوج عطائها، لا ستديوهات تحليلية ولا أكثر من قناة صوتية، ولا تقارير قبل وبين وبعد المباريات، فقط القناة الأولى للأفلام والثانية لمشاهدة مباريات كرة القدم. تبدأ المتعة بصوت معلق تسعيني بامتياز يدّعي الحيادية، لكنه كمعظم المتابعين الذين يشجعون الفرق الشهيرة، ويتحولون إلى مشجعين مع لمسة النجم الكبير الذي يمتع البقية بمهاراته الفائقة.
 

مباراة نصف نهائي مونديال أميركا 94، شمس حارقة وأجواء صباحية مغايرة لما يحدث في بلادنا، حيث الفرجة على المباريات في وقت متأخر وفقا لفروق التوقيت. الطفل معجب بالفريق البرازيلي، في سنوات الكرة الأولى، لا يحتاج الشخص إلى تبريرات ومفاهيم تصل فيما بعد إلى حد السخافة، لإثبات أنه عقلاني وغير متناقض، لذلك الميل إلى راقصي السامبا بمثابة القرار المرتبط بالفطرة والغزيرة.
 

كرة القدم اختيارات، هي لعبة الأذواق، وأنا على يقين كامل بأن روماريو كمهاجم لم يأت مثله من قبل، كلمة لن تمر بسهولة عبر أذن من يسمعها، لكنني مصمم على ذكرها والتأكيد على أحقية هذا البرازيلي بها.

الخصم السويدي مفاجأة ملاعب الولايات المتحدة، مجموعة صلبة تدافع بذكاء وتهاجم بمكر. لا يعرف صديقنا أسماء أي لاعب فيهم إلا المهاجم الذي يشير بأصابعه حينما يسجل "أندرسون"، والآخر صاحب الشعر الغريب الذي لم يشاهد مثله من قبل "لارسون"، لكنه يكره حارس مرماهم بدون سبب حقيقي، ربما لأنه دائم التألق أمام فريقه المفضل.
 

مع كل فرصة من الفريق اللاتيني، يحاول الحارس المستفز إضاعة الوقت، بل والقفز في حركات سريعة كما يفعل خصومه حينما يرقصون السامبا. دقائق تمر بلا جديد ويقترب اليأس من قلب الصغير الذي قرر الخلود إلى النوم وعدم إكمال الدقائق المتبقية. تفرض الفطرة عليه مشاهدة الكرة للمتعة، لا يفرق معه من يفوز، المهم كيف يفوز، هذه هي الطبيعة الأولى للمشجع التي تتغير فيما بعد حتى يرضي غروره ورغبات متابعيه.
 

وقبل أن تضغط اليد الرقيقة على مفتاح القفل، تأتي عرضية إلى المهاجم البرازيلي القصير المكير، يضعها برأسه كما لو كان في مشهد رومانسي مع حبيبته، لتذهب الكرة بكل سلاسة تجاه الشباك في مشهد من الصعب تكراره، في سرعة لم تسمح للحارس العملاق بالإمساك بها. كان هذا الهداف هو رماريو دي سوزا فاريا، المهاجم الأميز على الإطلاق في تسعينات القرن العشرين.

من الممكن أن نتفق أو نختلف حول التفاصيل السابقة لكنني متأكد من حقيقة واحدة، لولا روماريو والحارس رافيلي، لكان الطفل الصغير في حضرة لعبة أخرى أو هواية مختلفة، لذلك مهما مرت السنين وتكررت الأيام، فإنه على عشق كبير وحب غير عادي للبرازيلي الموهوب.

ظهر البرازيلي روماريو أوروبيا وعالميا في النصف الأول من التسعينات، شكل مختلف وأسلوب أداء مغاير. بعد المهاجم التقليدي صاحب الرقم 9، جاء القصير المكير الي أوروبا وعرفه العالم خلال المونديال الأميركي. سريع ومراوغ، تحكم بديع في الكرة، هداف ومتحرك، يخترق الدفاعات ويسجل. لاعب نستطيع أن نسميه "رجل سريع + رجل هداف".

كرة القدم اختيارات، هي لعبة الأذواق، وأنا على يقين كامل بأن روماريو كمهاجم لم يأت مثله من قبل، كلمة لن تمر بسهولة عبر أذن من يسمعها، لكنني مصمم على ذكرها والتأكيد على أحقية هذا البرازيلي بها. من الممكن أن يكون حكمي عاطفي، نابع من القلب، ولم لا؟ وكرة القدم بالنسبة لي ولكثيرين من جيلي، عبارة عن جزء لا يتجزأ من الشغف. وفي الشق التكتيكي أيضا أراه لاعب متخصص في السياق التهديفي، يتمركز داخل منطقة الجزاء ويهرب من الرقابة خارجها، يترجم الفرص إلى أهداف ويصنع لنفسه ولزملائه أيضا.

روماريو هو المهاجم التسعة كما يقول الكتاب، لم أشاهد مثله في أميركا ولا أوروبا، حتى الظاهرة رونالدو لا أعتبره مهاجم صريح بل لاعب متكامل، هو كما يقول كرويف عن أساطير اللعبة، هؤلاء يجب نعتهم بالشمولية لأنهم يملكون صفات ومهارات عديدة مع شخصية فذة، بينما لاعب كرة القدم الفعلي هو المميز في مركز معين، وروماريو لديه كل المقومات للتألق في الثلث الأخير فقط، يستلم ويراوغ ويصنع لنفسه ويسجل في آن واحد.

ينادي البعض جيسوس بالظاهرة رونالدو، واللاعب نفسه يكن احترام مضاعف له، لكن أرى مهاجم السيتي نسخة حديثة من روماريو وليس رونالدو، في خفته ومهارته وطريقة تسجيله الأهداف وتأثيره الكبير على فريقه.

إنها نسخة أشتاق إليها في كل وقت، اللاعب الهجومي المهاري والفعال الذي يتفوق على غيره بعقله قبل قدمه ورأسه. حتى فان باستن نفسه أضعه في مرتبة بعد روماريو، لا يتعلق الأمر بالفوز بكأس العالم، لكن ربما لأنني شاهدت مباريات أكثر للبرازيلي مقارنة بالقدير الهولندي، في النهاية تبقى تفضيلات تحتمل الخطأ قبل الصواب.
 

شاهدت أسماء عديدة بعد اعتزال روماريو، لكن لم ينجح أحد في سد الثقب الذي صنعه في قلبي بعد اعتزاله، حتى رؤية الفتى الصغير غابرييل جيسوس مع البرازيل ثم مانشستر سيتي مؤخرا. يمتاز هذا المهاجم بمهارة فائقة في الخطف والهروب من الرقابة، ويشبه روماريو كثيرا في سرعته وخفته ودهائه، لدرجة أنه يسجل الأهداف بنفس الطريقة، من خلال خلق الفراغ لنفسه والتحرك في أقل الفراغات المتاحة، وفي جزء من الثانية تجده أمام المرمى للتسديد.
 

جيسوس ليس بالمهاجم العملاق أو الطويل، ولا يمتاز بقوة جسمانية جبارة كغيره، كذلك لا يراوغ سبعة لاعبين دفعة واحدة، لكنه يعرف أين ومتى وكيف يتصرف بالكرة ومن دونها في الثلث الأخير من الملعب. يملك هذا الشاب الحمض النووي الخاص بالمهاجمين الأفذاذ، ليصعب على أي مدافع مراقبته أو تضييق الخناق عليه، ورغم عمره القصير في الكرة الأوروبية، إلا أنه أثر بشدة في مشوار فريقه مانشستر سيتي، لدرجة أن غوارديولا قالها صراحة، "لو كان جيسوس متواجدا طوال العام، لكنا في مكان أفضل سواء بالدوري أو الشامبيونزليغ".
 

ينادي البعض جيسوس بالظاهرة رونالدو، واللاعب نفسه يكن احترام مضاعف له، لكن أرى مهاجم السيتي نسخة حديثة من روماريو وليس رونالدو، في خفته ومهارته وطريقة تسجيله الأهداف وتأثيره الكبير على فريقه. يستطيع الوافد الجديد اللعب بمفرده داخل منطقة الجزاء أو بشراكة مع لاعب آخر، مع إمكانية التحول إلى الأطراف، ليجد غوارديولا جوهرة ثمينة في مدينة مانشستر، فهل سيجعله أفضل من روماريو؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.