شعار قسم مدونات

مُلحِدو الثورات

مدونات، ثورة
الفلسفة والعلوم الإنسانية، الاختصاص الذي كان إتمام سنواته الثمانية بنظام "LMD"  (3 سنوات ليسانس، سنتان ماجستير، 3 سنوات دكتوراه) حلمي الذي لم يتحقق، وعنوان رسالة الدكتوراه خاصتي كانت ستكون "الدين أكبر من الفلسفة" لكن قراري كان أن أتخلى عن حلمي في سبيل قضيتي الأولى وهي الثورة السورية.
 

خلال السنة الأولى لي في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية بقسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، وأثناء حضوري للمحاضرة الأولى في مادة "الفلسفة الشرقية" التي كانت تدور حول الديانة البوذية وفلسفتهم الدينية التي تتلخص بهدف واحد وهو عبور نهر النيرفانا للخلاص من الآثام والبعث الجديد لحياة جديدة بدور جديد.

كان الهدف من دراسة الفلسفة وآراء الفلاسفة هو الاطلاع على فلسفة الآخرين وطريقة تفكيرهم، لدراستها فقط وليس لاعتناق أي أفكار من أفكار هؤلاء الفلاسفة، وهذا ما غاب عن الكثير من أصدقائنا في سنتهم الدراسية الأولى حيث ما لبث أن انتهى الفصل الدراسي الأول حتى تخلى الكثير منهم عن دينه وذهب كما ادعى "يبحث عن الحقيقة" متباهياً أنه أصبح مثقفاً منفتحاً على هذه الدنيا متحرراً من أفكار ومعتقدات تلقاها رغماً عنه مستشهداً بقول ديكارت مفسراً إياه بحسب هواه "أنا أفكر إذاً أنا موجود".

بعض الأشخاص الذين لم يجدوا لنفسهم دوراً في ثورات الربيع العربي أو لُفظوا منها بسبب فسادهم المادي أو الأخلاقي، لا يلبث إلا أن يلجئ إلى إحدى الدول ويقوم بشتم مقدسات الأديان وتسخيف المعتقدات المقدسة ويجاهر بالإلحاد حتى يكون مثقفاً.

القصة لم تنتهي هنا فتلك الحالات شاهدناها في السنوات اللاحقة وكانوا قلة قليلة من طلاب الفلسفة أو من طلاب علم النفس الذين سموا أنفسهم الفرويديّن وآمنوا بنظرية النشوء والارتقاء، تلك حالات لا تعمم خاصة أننا لم نعد نستغربها رغم مجابهتنا فكرياً لها وذلك عندما ندخل بأول نقاش مع أولئك الملحدين الجدد فنجد تلك العقول الفارغة فندرك أن لكل داء دواء يستطب به، إلا الحماقة أعيت من يداويها.

لكن ومع ظاهرة الثورات في العالم العربي منذ نهاية عام 2010 حتى يومنا هذا، أصبحت تلك القلة القليلة مع الأسف ظاهرة منتشرة، فبعض الأشخاص الذين لم يجدوا لنفسهم دوراً يتناسب ونرجسيتهم في هذه الثورات أو لُفظوا منها بسبب فسادهم المادي أو الأخلاقي، لا يلبث إلا أن يلجئ إلى إحدى الدول ويقوم بشتم مقدسات الأديان وتسخيف المعتقدات المقدسة لأكثر الناس ويجاهر بالإلحاد حتى يكون مثقفاً كما يحلو له أن يسمي نفسه أو ما يطلق أتباعه عليه.

ومما ساهم في انتشار ظاهرة هؤلاء، المنابر التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي لهؤلاء المتثقفون التي جعلتهم وللأسف يتساوون بالشهرة مع المبدعون والعلماء وربما أكثر. ناهيك عن جمهورهم الغفير الذي يفتقر لأدنى معايير الأخلاق. خاصة ان قام أحد المفكرين بمهاجمة أفكارهم وطريقة بثهم لتلك السموم وأظهر مواطن غبائهم فيطلق المتثقف الملحد لجمهوره العنان لمهاجمة كل منتقديه.

الحقيقة التي لا مراء فيها أن هؤلاء أصبحوا فعلاً ظاهرة وللأسف يزداد متابعوهم وتزداد حملاتهم الشعواء ضد الأديان السماوية وخاصة الإسلام. حيث أدت صناعة وتصدير التنظيمات الإرهابية مثل داعش وأخواتها الى انتشار هؤلاء بشكل كبير إما كردة فعل عكسية غير مبررة على تصرفات تلك التنظيمات باسم الدين، أو كان وجودها لهم مبرر لغاية كانت مبطنة بنفوسهم لإذكاء ظاهرة الإسلاموفوبيا.

والكثير منهم أصبح يسوق ويشيع في أماكن اقامتهم في دول أوروبا وأمريكا وربما بعض الدول العربية، أن الثورات العربية ضد الطغاة ما هي إلا ثورات ظلامية متشددة لإزاحة الحكومات والأنظمة الحالية واستبدالها بأنظمة متشددة كداعش وأخواتها.

من المفارقة العجيبة أن غالبية اللادينيين أو الملحدين الغربيين هم في الحقيقة باحثون عن إله ليعبدوه لكن لم تصلهم فكرة الدين والإيمان بالشكل الصحيح فاختار أن يكون ملحداً يؤمن بالمنطق والعلم المادي فقط.

وغالبية الظن أن هؤلاء يغردون بنفس السرب الذي تغرد به تلك التنظيمات وهم جزء لا يتجزأ منها ومن دعايتها المضادة لثورات الكرامة، ولا يخفى على أحد مدى تأثيرهم السلبي على هذه الثورات واشتراكهم بطريقة أو بأخرى باستمرار سيل الدماء في سورية وليبيا واليمن.

لا أعلم هل ألقي اللوم على صمتنا تجاههم وتجاه أفكارهم وصفحاتهم أم ألقي باللوم على علمائنا ومفكرينا وكتابنا بعدم مجابهة أولئك المُفسدين، وقد يتهمني البعض بأني ضد حرية التعبير والرأي والرأي الآخر، لا لست كذلك فلي ديني الذي أعبد فيه الله الذي أعطى كل شيء خلقه وخلق الكون من العدم، ولكم دينكم الذين تعبدون فيه الطبيعة التي وجدت نفسها بنفسها. لكني ضد أن يقوم هؤلاء بتشويه صورة الأديان السماوية التي يعتنقها نصف سكان الأرض واهانة المقدسات تحت شعار حرية الرأي وحرية التعبير. 

ومن المفارقة العجيبة أن غالبية اللا دينيين أو الملحدين الغربيين هم في الحقيقة باحثون عن إله ليعبدوه لكن لم تصلهم فكرة الدين والإيمان بالشكل الصحيح فاختار أن يكون ملحداً يؤمن بالمنطق والعلم المادي فقط. أما الملحدون أو اللا دينيون العرب فهم ملحدون خرجوا من رحم دينهم واتهموا ديانتهم بالسحر والشعوذة والخرافة وكانوا أشد غلواً على أصحاب الدين وأفكارهم من أولئك الذين لم تصلهم رسائل الإيمان والديانات السماوية.

في الختام إن كتب الله لي أن أتمم سنوات دراستي ولو بعد حين وأصل إلى مرحلة إعداد رسالة الدكتوراه فسأختار أن يكون عنوانها "أنا مؤمن إذاً أنا موجود".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.