مجتمع المدينة في مقياس الحضارة

blogs المدينة المنورة

لم يكن عبثا حين قالوا بأنه لا يوجد تفسير حقيقي للحب سوى الاطمئنان والراحة التي تسكن قلب المحب بالقرب من محبوبه، فلم تكن عبثا تلك الراحة الداخلية التي تسكن كيانك إذا زرت المدينة، ولم تكن عبثا تلك الريح الآسرة والآتية من عبق التاريخ التي تسكن كل شبر فيها فلربما وطئت قدمك موضع قدم خير من وطئ الثرى، أو أحد أولئك العمالقة الذين غيروا وجه التاريخ في حياتهم وبعد مماتهم، ولربما شممت رائحة المسك الآتية من قبور شهداء أحد أو وقفت في قطعة من الجنة في الروضة الشريفة، لربما امتلأت أنفاسك عزة وشرفا لمجرد أنك زرت قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبيه وذكرتك تلك الحجرات الصغيرة ببيوت شع منها نور الوحي إلى العالم كله إلى أن وصلت قصور كسرى وقيصر، واهتزت معه عروش الطغاة على مر الزمان وتعاقب الأجيال.


المدينة التي يبعث مجرد ذكر اسمها مشاعر الراحة وقرار العين وتعبث أماكنها المقدسة بذاكرة كل مسلم زارها وتنبش في روحه الحنين إليها. هي طابة والطيبة ودار الهجرة والجابرة ودار الفتح ودار السلام ولها العديد من الأسماء التي حفرت في ذاكرة التاريخ والتي تم ذكر سبب تسمية كل منها في كتب الآثار وفضائل المدن.


المدينة التي عندما دخلها سيد البشر صلى الله عليه وسلم لم يكن أول ما صنعه فيها تجولا في أنحائها ولا عمارة لحجارتها ولم يكن يخطر بباله أن يشرح لأصحابه ما وجده خلال رحلته المضنية إليها من مشاق وعقبات لم يدر بباله سوى الإنسان فيها، والروح التي تجمع الناس فيما بينهم فقط، كان أول ما فعله فيها بأن أسس لحياة اجتماعية سوية وبيئة صالحة لتلقي أوامر الوحي ونواهيه بيئة المحبة والإخاء بين أناس لا يعرفون عن بعضهم سوى رابطة واحدة تجمعهم، وهي رابطة الدين لتكون أمتن وأقدس من أي رباط كان مجرد صعود صوت بلال لينادي للصلاة يجذب أرواحهم للقاء متجدد مع ربهم ليخرجوا منه إلى أعمالهم وتجارتهم بأخلاق قل نظيرها في مجتمع المصلين هذه الأيام. كان مجرد أن يذكر عن أمر أنه ما كان يفعله رسول الله سببا كافيا للانتهاء عن أي فعل ليس من الدين.


لم يكن يحكم مجتمع المدينة قوانين أرضية تتابع تفاصيل تحركاتهم وتضع العواقب والضرائب لكل مخالفة بل كانت تحكمهم شريعة السماء بقوانينها العادلة والشاملة. لم يكونوا أشداء فيما بينهم يتفننون في إيجاد ما يفرقهم ويثير العداوة والبغضاء بل كانت الرحمة تتجلى فيما بينهم

مجموعة من البشر لم تكن كملائكة السماء خلقت للطاعة ولا يوجد بينها خلافات وتجارب سابقة ونفسيات متعددة، ولكن كانت سليمة من الداخل، لأنها تلقت آيات القرآن بشكل مختلف عما نتوقعه فقد كان يحفر في تعاملاتهم آثارا واضحة ويترك بصمات ظاهرة في حياة كل منهم وبعد مماته لشدة تأثرهم به، فلم يكن الصحابة جميعهم يحفظون القرآن كاملا لكنهم كانوا يجتهدون للعمل بما تعلموه منه آناء الليل والنهار، كما لم يكن همهم الدنيا وما يجمعوه فيها بل مراقبة بواطنهم ونياتهم.


لقد كان فيهم من يملك من المال ما يجهز به جيشا بكامله وهو الصحابي (عبد الرحمن بن عوف) لكننا لم نسمع عن طبقات متفاوتة في ذلك المجتمع الراقي ولا عن أناس يسكنون في الشوارع ولا عن متسولين يجوبون الطرقات، ليذكروا كل قادر على الزكاة بحقهم في مال الله. مجتمع لم يكن عدد أفراده قد تجاوز المليار ونصف مسلم كما نحن الآن لكنه كان قادرا على إدخال مئات الناس في دين الله أفواجا لجمال وجلال ما قاموا به من حضارة في كافة العلوم الدينية والدنيوية.


لم تكن تحكمهم قوانين أرضية تتابع تفاصيل تحركاتهم وتضع العواقب والضرائب لكل مخالفة بل كانت تحكمهم شريعة السماء بقوانينها العادلة والشاملة. لم يكونوا أشداء فيما بينهم يتفننون في إيجاد ما يفرقهم ويثير العداوة والبغضاء بل كانت الرحمة تتجلى فيما بينهم بأجمل الصور التي ما عرفت مثلها البشرية لقد كانوا وكانوا..


بينما نحن اليوم لا زلنا نعيش واقعا محاصرا من جهتين فهو من جهة حصر الدين في مظاهر وسادت فيه الأحكام المطلقة على الناس والمسميات التي لا تنتهي وجعلت من الدين فخا يسقط به من لا يجيد فنون الحياة والتعاملات مع الناس ومن جهة أخرى محاصر بالتشويه وتعمد نسب الإساءة إليه من خلال ما ينشر أعداؤه عنه.


بينما لو عدنا بالذاكرة لهذا المجتمع الأول الذي تلقى الدين من منبعه لوجدنا أننا في تخلف عنه وأنه كانت له الأسبقية الحضارية الأولى التي تنورت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنارت الدنيا في وقت كانت في أشد عصورها تخلفا ورجعية.