شعار قسم مدونات

مأزق الديمقراطية الجزائرية بمناسبة الانتخابات التشريعية القادمة

blogs - algerian election

بعد أيام ستكون الجزائر على أبواب سادس انتخابات تشريعية منذ أن أقرت التعددية السياسية في البلاد كما نص عليه دستور 1989، الذي جاء نتيجة مباشرة لانتفاضة أكتوبر 1988، التي دفعت النظام الواحد المنغلق قسراً لفتح باب التداول على السلطة، وإن كان الخلاف لا يزال قائماً عن حقيقة تلك الأحداث وعفويتها ومن يقف خلفها؟

لكن بعيداً عن تفاصيل وأسباب ذلك الحراك، فإن أحد مخرجاته الرئيسية التي بقيت وصمدت هي تلك التعددية السياسية والإعلامية، التي تمثل بحق فلتة سياسية وتاريخية، قبل بها النظام تحت تأثير سياق معين على مضض، لكن كما في كل بلاد العرب التي مشت في هذا الطريق، لم تلبث منظومة الحكم الراسخة، التي استوطنت في مفاصل الدولة وتمكنت من أدواتها الفعالة، بعد قليل من الوقت أن تبرمت من هذا النهج، وعادت لتتأقلم معه، وتجيره لاستمرارها هي، عن طريق إجهاضه من كل مضمونه وإبقاءه كوسيلة شكلية تعطي التزكية الضرورية للعملية السياسية، المطلوبة للقبول في الساحة الدولية.

كانت أول محاولة للانقلاب على هذا المسار هي تلك التي جرت بشكل فض يفتقد لأي محسنات وخال من أي تجميل سنة 1992، وأدت بالجزائر للمرور عبر تلك المحرقة الرهيبة التي أتت على أكثر من مأتى ألف قتيل، ودفعت السلطة الحقيقية التي تجلس خارج حسابات التداول، وتقف بعيداً عن آلة تدوير السلطة، للتفكير ملياً في طرق أكثر تحضراً في التعامل مع مأزق الديمقراطية التي دفع إليها الرئيس المرحوم "الشاذلي بن جديد" في لحظة تصالح مع الضمير أو تحت تأثير الانتقام السياسي من بعض الخصوم داخل المنظومة الواحدة.

جوهر التزوير الذكي كان في إغراق الساحة الانتخابية بمئات القوائم التي تتنافس على بضعة مقاعد، فتجد في ولاية عدد دوائرها لا يتجاوز العشرة ما لا يقل عن ستين قائمة.

فكانت أولى تلك الخطوات لاحتواء العملية الديمقراطية بالجزائر هي تصحيح الأخطاء في نظام الاقتراع، والذي ساعد على انتصار الجبهة الإسلامية الكاسح في تلك الانتخابات المأساوية، فأعيد النظر في النظام الفردي وحوّل لنظام القائمة النسبي، لجعل المقاعد تتوزع تبعاً لنسبة الأصوات في كل ولاية، ولا يسيطر الحزب الذي حصّل عدداً أكثر من الأصوات، كما صار بالإمكان توجيه الانتخابات مركزياً في كل ولاية، بعدما كان النظام الفردي يعطي الحق لكل دائرة بإجراء انتخاباتها منفصلة، ويحوز المقعد الحزب الذي تفوق ولو بصوت واحد عن البقية.

من أبرز سلبيات هذا النظام هو أنه جعل الانتخابات محصورة بين رؤوس القوائم، باعتبار أن تحصيل المقاعد يتم بالترتيب الأول فالأول، كما أنه أثار فتن كبرى داخل الأحزاب وبين الدوائر على أولوية الترتيب، وضحيته الأولى هي الدوائر الصغرى وبلدياتها، التي يؤخر ترتيبها خلف تلك الكبرى ذات الحظوة.

كما شرعن تدخل الإدارة بشكل مباشر وسافر في مجريات العمليات الانتخابية، بدء من تشكيل القوائم، وتزكية المرشحين وصولاً لفرز النتائج وتحديد الفائزين، مروراً بطقس الانتخاب في حد ذاته، فأضحى من العادي أن يتدخل مقصل الإدارة ممثلة في والي الولاية مسنوداً بجهاز الأمن، ليقصي العشرات ممن لا ترضى السلطات على وجودهم كمرشحين أو تتوجس من إمكانية فوزهم، فيستبعدون بحجج مختلفة، في غالبها تصب في اتجاه الملاحظات الأمنية المبهمة، التي قد لا يطلعون عليها حتى، بالرغم من سلامة سجلهم القضائي من أي متابعة أو شبهة.

ويأتي إشراف الإدارة على عملية الاقتراع والفرز ليمثل الضربة القاصمة لأي نزاهة، فعناصرها الذين توكل لهم مهمة إنجاز الانتخابات؛ يختارون بعناية عبر الجهاز التنظيمي الذي يقع أسفل الولاية تماماً، ويسمى الدائرة، والذي تمثل هذه المهمة إحدى وظائفه الرئيسية، وتكون ميولهم في الغالب لصالح السلطة ومشاريعها، ويمشون بسلاسة في عملية التزوير المباشر وغير المباشر.

فخلال ثاني انتخابات تعددية سنة 1997 لم يكفي التعديل في شكل النظام الانتخابي ليجعل كفة السلطة ترجح، فتم اللجوء لطريقة أقل عنفاً من سابقتها، لكنها لا تختلف في المضمون والهدف وهو الانقلاب على الإرادة الشعبية، فتحت سطوة حالة الطوارئ التي كممت الأفواه، وتحت حكم القبضة الأمنية، وحيث لا صوت يعلو على صوت المعركة، وبالاعتماد على الإدارة، تم اللجوء لعمليات تزوير كاسحة بشكل علني وساذج، ركز على ملئ الصناديق بأصوات حزب السلطة الناشئ آنذاك "التجمع الوطني الديمقراطي"، بل وصل الأمر لاستخدام السلاح والعنف لفرض هذا الخيار في كثير من المراكز التي بها عناصر رفضت هذا السلوك.

منذ ثالث انتخابات تشريعية، والتي نظمت سنة 2002 وواكبت مجيء "بو تفليقة" للحكم، والوفرة المالية التي نجمت عن ارتفاع أسعار البترول، عرف مسار الانتخابات نسقاً آخراً، بصعود ظواهر جديدة ستصبح حتى الساعة جزء لا يتجزأ من العملية الانتخابية، وعرفت اصطلاحاً في الجزائر بالتزوير الذكي.

في أقصى الأحوال وفي ظل التحكم الكلي في تفاصيل العملية ومخرجاتها فإنه لن يسمح لأي طرف لا ترضى عنه السلطة بأخذ أكثر من "كوطة" محددة تضفي شيء من مسحة الديمقراطية على النظام الذي لم يعرف الديمقراطية يوماً.

فقد بدأت ظاهرة توظيف المال الفاسد في الانتخابات، وطغى على الساحة السياسية مرشحون يعتمدون على ما ينفقونه من مال لاستقطاب أصوات الناخبين، وتراجعت البرامج كثيراً ومعها صورة الأحزاب التقليدية، ليفتح الباب للمنافسة بين من يدفع أكثر، وباتت رؤوس القوائم حكراً على المليارديرات الذين اغتنوا سنوات الأزمة وفي حقبة الرفاهية.

كما برزت ظاهرة أخرى سلبية، تمثل جوهر التزوير الذكي، ساهمت فيها الإدارة بشكل كبير، وهي إغراق الساحة الانتخابية بمئات القوائم التي تتنافس على بضعة مقاعد، فتجد في ولاية عدد دوائرها لا يتجاوز العشرة ما لا يقل عن ستين قائمة، مما جعل الأصوات تتوزع يميناً وشمالاً ولا يستطيع أي حزب أن يهرب من المقصلة الثانية الموضوعة في الطريق، وهي تحصيل العتبة "نسبة خمسة في المائة من عدد الأصوات المعبر عنها"، والتي لا ينجح فيها غالباً سوى حزبي السلطة نتيجة كثير من العوامل الموضوعية والمصطنعة.

ويبقى تدخل الإدارة الحاسم في توجيه النتيجة، في عملية الفرز وحساب الأصوات، والتي مهما أصدر من تشريعات وقوانين لتجعل منها شفافة وذات مصداقية فعبثاً يفعل ذلك، نظراً لتفرد الإدارة بتلك الإجراءات، وقدرتها على التصرف في الأرقام مقابل عجز جل الأحزاب والمرشحين اللوجيستي.

هذا ناهيك عن الكثير من الإجراءات التي تجعل يد الإدارة فوق يد الأحزاب، وتمكنها من إدارة اللعبة بأريحية مطلقة، ومنها التحكم في إعداد قوائم الناخبين وتوزيعهم على المراكز، فلها أن تضخم تلك اللائحة وتنفخ فيها بآلاف الأسماء الوهمية، لتستخدم كهامش يمكن التصرف فيه والجود به على من تريد، ومنها أيضاً طريقة الاقتراع وطبيعة الرموز وترتيب القوائم، وحتى نسبة الأوراق الملغاة وأسبابها، وكذا طريقة تمكين الأحزاب والمرشحين من المراقبة، وأكثر من هذا توظيف إمكانات الدولة ومشاريعها وقراراتها لصالح طرف معين.

لقد سعت كل ترسانة القوانين التي أصدرتها السلطة خلال الخمس والعشرين سنة من عمر التعددية لتجعل من العملية الانتخابية أكثر نزاهة وشفافية ومصداقية، لكن كل التصرفات التي رافقتها على الأرض من السلطة نفسها والإدارة التي تنوب عنها، تنبئ عن نية مبيتة لتفريغ العملية السياسية من أي معنى، وعدم السماح تحت أي مسمى أو ظرف من أن تفلت النتائج من يديها كما حدث ذلك ذات مرة، وفي أقصى الأحوال وفي ظل التحكم الكلي في تفاصيل العملية ومخرجاتها فإنه لن يسمح لأي طرف لا ترضى عنه السلطة بأخذ أكثر من "كوطة" محددة تضفي شيء من مسحة الديمقراطية على النظام الذي لم يعرف الديمقراطية يوماً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.