لقد كانت وكانت..

Blogs - Mauritania
"لقد كانت وكانت، وكان لي منها الولد"، أما الولد فعرفناه.. قاسم الحب وزينب الخير، النورين رقية وأم كلثوم، وفاطمة، أُم أبيها وريحانته. وأما كانت وكانت فهذه ربما لا يعلمها إلا الزوج والقيّم والحبيب، لا يعلمها إلا هو. كانت وكانت.. كانت الزوجة والحبيبة والرفيقة، كانت الأهل حين تخلى الأهل، والقوم حين "وكذب به قومك" والمواسية حين حَرَمَ الناس، كانت الأم في اليُتم، والأمينة في النصح والسِر، والصاحبة في سفر الحياة، كانت المُدَثِرة والمُزَمِلة والراعية. 

كانت وكانت، كانت المُصدّقة يوم غَلب الهوى على الناس فأبوا إلا الرجم بالكذب، كانت المُطَمئِنة المتيقنة "والله لن يُضيعك الله" يوم شكك الناس وأرجفوا، كانت العاقلة يوم شط بالناس جنون العقل، المؤمنة يوم لعب في الناس دَخَنُ الشرك والكفر، الصابرة يوم اعترى الناس عَجلُ الجوع وضنك العيش وألم المنفى ووجع الحصار، الواثقة يوم اجتاحت القلوب رياح الشك وعصفت بالأفئدة ريح الظن السيئ.

من هذه التي أكرمها كما لم يكرم أحدا، أكرمها بكل تواضع وتبجيل وهو من هو؟؟!! فيُجيب" إنها صاحبة خديجة" تسأله "وفيما كنتم تتحدثون يا رسول الله؟" فيقول" كنا نتذاكر أيام خديجة ".

كانت وكانت، كانت الوجه الرباني الذي ترتاح على جنباته الروح، كانت النفس التي تطيب بحضرتها الحياة والنفس تسعد، والنفس بالنفس تسعد،  كانت أول الحب وأجمله "إني رُزقت حبها" وأجمل الحب ما كان رزقا، وخير الحب "والله ما أبدلني الله خيرا منها"، وهل لأول الحب بدل وبعده خير؟! كانت وكانت،  حتى هو (الزوج والحبيب والقيّم والأب والنبي والصاحب الصديق) لم يستطع أن يفيها حقها فيخبرنا ما "كانت وكانت" فتركها في النفس، ونفس الحبيب أوسع وأرحب وأدعى للأنصاف من كل تعابير اللغة، وأصدق من أي وصف وأبلغ كَلِم، كانت وكانت ، ولا يعلم ما كانت إلا هو، هو وحده.

كانت وكانت، ويستمر عبق ذكراها في حياته دَفِقاً ومرشداً في كل حين حتى بعد أن رحلت، كأنها ما تزال على قيد الحياة وأنفاسها تمده – صلى الله عليه وسلم – بما يحتاجه رجل يجابه الكون أجمع منذ أن رفع لواء دعوته، ويحمل القول الثقيل. ففي فتح مكة يأمر بان تُنصب الراية عند قبرها إعلاما لفضلها وسبقها في الإسلام، ثم وبينما الناس مشغولون بهول الموقف، منهم من يرتقب القرار الحازم في مصيره، لا يعرف أهو ناجٍ أم هالك، ومنهم من أخذته اللحظة وغمره الفرح المُغدق إذ الحلم تحقق، وهم أيضا يرتقبون القول الفصل.

فجأة، يتركهم في شُغلهم ويذهب إليها، وهي عجوز في أرذل العمر (أكل الدهر عليها وشَرِب) ولكنها من أثر الحبيب، وزمن الحبيب، ووصل الحبيب، وعبق من طِيب الحبيب، وكل ما جاور وزامن وقارب وجاء بالحبيب ولو طيف، حبيب، يدنو منها دُنوا يليق بها وبه، يخلع عباءَته ويُجلسها عليها، ويتحدثااان.. يتحدثان كما لو أنهما وحدهما في كون ما فيه سواهما وذكر الحبيب. تقول الطاهرة "من هذه التي أعطاها وقته وحديثه" من هذه التي ألهته عن هذا الموقف بكل ما فيه، من هذه التي شغلته عن كل هذا حتى كأنه في عالمه الخاص، من هذه التي قيمتها أعلى من قيمة فتح مبين ونصر عظيم، من هذه التي أكرمها كما لم يكرم أحدا، أكرمها بكل تواضع وتبجيل وهو من هو؟؟!! فيُجيب" إنها صاحبة خديجة" تسأله "وفيما كنتم تتحدثون يا رسول الله؟" فيقول" كنا نتذاكر أيام خديجة ".

كانت وكانت، كان عامها الأول في حياته عام السَعد، وكان عامها الأخير في حياته عام الحزن.. وما بينهما "كانت وكانت، وكان له منها الولد"، صلى الله على حبيب القلب معلم الحب، ورضي عن أمنا الحبيبة خديجة المُلهِمة ورفيقة الدرب.