شعار قسم مدونات

لا تقع في حب فرضيتك

blogs - تفكير وحدة
يقول الطبيب البريطاني بيتر مدوّر -صاحب الأصول اللبنانية- في اقتباس شهير له: "لا تقع في حب فرضيتك"، وبالنظر إلى ما كان يفعله دكتور بيتر، يمكننا أن نظن أنه يقصد بجملته الافتراضات العلمية، لكن في رأيي فإن هذا الأمر قابل لأن يتم تعميمه على كل شيءٍ في حياتنا.

فرضيتنا حول شيءٍ ما هي اعتقادنا عن حقيقة هذا الشيء في الواقع، ولكننا في العديد من الأحيان، نتعامل مع الفرضية على أنها الحقيقة، دون أن نحاول التأكد منها بالفعل.. عندما عُرض الموسم الخامس من المسلسل الكوميدي "الكبير أوي" للممثل "أحمد مكي، وقبل أن أشاهده بنفسي، سمعت العديد من الأشخاص الذين يتحدثون عنه، ويقولون إنه لم يضحكهم، وأن المسلسل صار سيئًا، وأن وأن وأن…

لم أكن قد شاهدته بعد، لكنني وجدت نفسي أردد مثل قولهم، بل زاد الأمر عندما كان يسألني أحدهم، أو حتى يتحدث أمامي عن المسلسل، أردد نفس الحديث، وكأنها هي الحقيقة.. لاحقًا، توقفت مع نفسي وتساءلت: "لماذا أردد مثل حديثهم؟ من قال إن هذه الفرضية حقيقية؟"، لا أعلم هل تمكنت من تخمين بقية الحكاية أو لا، لكن ما حدث هو أنني شاهدت المسلسل بالفعل، وأظن أنه أكثر موسم ضحكت فيه أثناء مشاهدة كل المواسم.. وهذا لا يعني أن ما قاله لي هؤلاء كان خاطئًا، لأنه ربما لم يرق لهم بالفعل، لكن، ببساطة شديدة، هي آراء وأذواق في نهاية الأمر، وما حدث أنني كنت أردد شيئًا أظنه حقيقة، بل تعاملت معه على أنه كذلك، رغم أن الحقيقة الوحيدة في الموضوع، أنها فرضية لم يتم التأكد منها.

دعونا نسمح لأنفسنا بمراجعة افتراضاتنا كل فترة، وذلك لا يقلل منها أبدًا، لكنه في الواقع يدعمها ويرسخ وجودها في داخلنا، ويجعل قناعتنا بها تزداد، وإلا فإن الضوء لن يدخل إلينا بكل أسف.

حسنًا، الآن يمكنك أن تبدأ بقياس ذلك على العديد من الأشياء في حياتنا، وعن الفرضيات التي نقع في حبها، دون أي محاولة للتأكد من إن كانت حتى تقترب من الحقيقة أو لا. نقتنع بها، ربما لأن صاحبها يصبغها بالصبغة الدينية أو المجتمعية، أو أي صبغة محببة إلينا، فنظن أنها صحيحة بناءً على ذلك، ولاحقًا يأتي أحدهم ليخبرنا بأن هذا الأمر خاطيء تمامًا.. والأمر لا يتعلق فقط بأشياءٍ يُخبرنا بها آخرون، لكنه يتضمن ما نكوّنه نحن من فرضيّات حول الأشخاص أو الأشياء في حياتنا.. كم من مرةٍ نفترض أن هذا الشخص سيئ ونرفض التعامل معه، ويتضح لنا لاحقًا أنه ليس كذلك؟ والعكس صحيح بالطبع.. كم من مرةٍ ظننت أنك بلغت درجة من الفهم والإدراك لشيءٍ معين وتوقفت عن البحث، ولاحقًا اتضح لك أنك ما زلت في أول الطريق؟

للأسف، فرضيّاتنا حول الأشياء تقودنا إلى التوقف عن المحاولة المستمرة للبحث، وتدفعنا إلى تكوين آراء ونظريات حول الأشياء، في الواقع، هي غير مكتملة وبها جانب كبير من النقص.. الحياة رحلة كبيرة جدًا، وفي أثنائها نتعرف على العالم من حولنا، وكل يوم هناك جديد يحدث، وكلما نضج عقلنا أكثر، كلما تغيّرت العديد من المعاني والأفكار بداخلنا، وأصبحت رؤيتنا للعالم بمنظور أوسع. عندما تقرر أن تحب فرضيتك حول ما وصلت إليه في مرحلة معينة، فإنك بذلك تكتب رحلة النهاية لبحثك ومعرفتك، وتقرر التوقف عن المضيّ قدمًا في رحلة المعرفة، وهو من أسوء الأشياء التي يمكنها أن تحدث لك.

يقول الكاتب الروسي إسحاق عظيموف: "افتراضاتك هي نافذتك المطلة على العالم. لذلك، احرص على تلميعها من حين لآخر، وإلا فلن يدخل الضوء"… فدعونا نسمح لأنفسنا بمراجعة افتراضاتنا كل فترة، وذلك لا يقلل منها أبدًا، لكنه في الواقع يدعمها ويرسخ وجودها في داخلنا، ويجعل قناعتنا بها تزداد، وإلا فإن الضوء لن يدخل إلينا بكل أسف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.