شعار قسم مدونات

كرسي وكتاب.. في دولة الحب والحرب

blogs - مصر
حينما تختفي الشمس في كبد السماء، ينتهي اليوم ويبدأ عهد جديد وإطلاله على ربيع عربي تتغير ملامحه عبر الزمن ويتشكل بألوان الطيف التي تبقى في تطور وتغير مستمر حاملاً معه مشاعر نفسية متنوعة ما بين حب وكراهية وأمل وخوف من مجهول وترقب لما يحمله المستقبل وسط أعين خائنه تخطط للغدر.
 

وتبقى مصر دائماً هي قلب الوطن العربي المتلألئة في سماء الحرية، فهي دولة الحب والحرب اللذان يجسدان ملامح بناء شخصية معقدة المعالم وصعبة التفسير حينما تحمل معها تناقض به ألوان من الألم والفقر والرفض لظلم مجتمعي مختلط بيقين وبساطة وإيمان وصبر.

ونتاج جهد وعرق تروى به الأرض لتتمخض عن ثمارها ورغم كل هذا لا زلنا نرسم معالم الأرض في قلوبنا ويغزو الحب عقولنا في أطهر وأبسط معاينة، فلا طرأ يوماً في ذهننا أن نرى شلالاً من الأفكار التي تحجب جمال الروح وتلقى بأسلحتها فتغزو بها عالمنا الصغير الذي حملنا معه قيمنا وأصولنا وتعليمنا وحضارتنا فهذا ما تعلمناه وعرفناه طيلة مراحل نمونا.

في مصر تحررت الأفكار وخرجت من بؤرتها لتشكل خطراً على المجتمع وعلى طبقات المهمشين والبسطاء حيث تتحرر الفكرة لدى بعض المتملقين ممن يجدون سوقاً جيداً لتسويق أفكارهم الهدامة والانحياز وراء أنظمة فاسدة.

عرفنا أن الدين لله وأن أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهراً وعرفنا أننا إخوة تحت مظلة واحدة يجمعنا بها الوطن والمستقبل ونتقاسم معا ضنك الحياة وألم المعاناة ولحظات الفرح والسعادة، كما أن الدين المعاملة قبل أن يكون درس في كتاب أو جلسة فقهية.
 

طالما عرفنا أن العلم هو نبراس الحضارات وأن الكتاب وسيلة لنقل الثقافة ولكن عندما يكون الكتاب بلا هوية ويكون الكاتب بلا مرجعية يجب أن نتوقف لندرك جيداً ما وراء الكلمات فيجب على من ينقل الرسالة أن يمتلك أمانة وصدق وينبغي أن يكون هناك رقيب على ما يحدث من تلاعب بأفكار المجتمع.

نعم تغيرت المجتمعات وفتح العالم الباب على مصراعيه كي تجتمع جميع الأجناس والأعراق والتقاليد والثقافات في قرية صغيره ولكن على الرغم من هذا ينبغي أن تظل الشخصية المصرية كما هي، فنحن الآن والحمد لله لا نعاني من ويلات الحروب ولكننا أصبحنا بصدد حرب تكاد تكون أقوى من الأسلحة النووية.

وهذا النوع من الحرب أصبح كفيل بأن يغزو العالم كله في ثوان ويدمر ميراث الحضارة التي قام عليها ويمحو آثار التاريخ والأصول والعرق الذي تمخضت له باطن الأرض العربية لتنبت ثمار من الخير يكفي لإشباع أمة جائعة، إنه الإرهاب الفكري بأسلحته الفتاكة الذي أصبح مثل لوكيميا الدم تنتهك جسد الوطن.

وفى مجتمعنا المصري أفسحت الساحة المجال لهذا اللعين بأن يلقى بوباله عليها فيقضى على بقايا التماسك الذى يحمى تراث وحضارة وماضي هذه الدولة، فقد تحررت الأفكار وخرجت من بؤرتها لتشكل خطراً على المجتمع وعلى طبقات المهمشين والبسطاء حيث تتحرر الفكرة لدى بعض المتملقين ممن يجدون سوقاً جيداً لتسويق أفكارهم الهدامة والانحياز وراء أنظمة فاسدة أو كسب فئة جديدة من قليلي الحيلة.

وفى سياق درامي جديد ظهر مولانا، والغريب أن مولانا الذى يستشهد الناس به في قضايا الإسلام والمسلمين والذى احترمه العالم كله مسيحيين ومسلمين ظهر بصورة شخص متملق يسعى لتحقيق الشهرة على حساب الأمانة الإعلامية التي يخفى ورائها جوهره الحقيقي من أجل الحصول على مزيد من الأموال كاللص الذى يسرق عقول الناس ويسعى لأن يكون جزءاً من نظام وسياسة موجهة تحميه وتجعل له مكاناً بل وتجذب المزيد من الجدال حول ماهية الإسلام والمسيحية.

وهذا الصراع بين الكرسي والكتاب هو ما يحدث الآن في مجتمعنا فأصبح تسليط الضوء على الظواهر السلبية في المجتمع وأخذ بعض اللقطات الدرامية التي تستحوذ على فكر القارئ وتقديم صورة ضعيفة الشخصية لأحداث غير مكتملة المعاني والأركان ولكنها تثير ضجة كبيرة "وبروبغاندا" إعلامية هائلة تخفى ورائها عباءة النفاق الحقيقية والصورة التي لا نراها في صراع السلطات وتفتيت الدولة ويبقى ضحايا الفقر والمرض والمهانة من البسطاء والمهمشين هم من يصعد هؤلاء على أكتافهم.

علينا أن ندرك جيداً حقيقة أنفسنا وعيوبها قبل أن نتوجه بعيوب الآخرين فنراقب ضمائرنا في نقل الصورة ونزرع علماً قبل أن ننشر فكراً عقيماً.

للأسف أصاب الصورة ضباب كبير في برد الطرقات الذي ينهل من عظام كل من ذاق مرارة الحاجة ولا يجد سقف يظله ويحمى حرمته هؤلاء هم أطهر وأشرف ممن يجد ملازه في التلاعب بالأفكار وتوجيهها نحو ما يريد أو ما تريده سياسة القناة التي تنقل الحدث فالهدف واحد والوسيلة واحده ولكن نبرة الصوت ولغة الكلام الانفعالية التي تخاطب القلوب قبل العقول تختلف.

فالقضية هي قضية مجتمع وأخلاق وشرف وأمانة قبل أن تختزلها في قالب الداعية، وهي قضية دعوة وليس داعية وما عرفته أن الإسلام هو مرآه الحضارات، هو دين ودنيا وحضارة وثقافة تحترم الآخرين وتراعي أسلوب الحوار والتوجيه وترسم أسس التقدم والدولة المدنية وتفصل في قضايا شائكة تخص المجتمع وتقدر الأديان الأخرى وتحترمها ومن منبرها الأزهري تجلت عظمة العلم وصدرت الفكر إلى دول العالم واحترمها العالم كله ولكننا لا زلنا لا نقدر قيمتها.

فقد ولدت هذه الأرض علماء أجلاء في الطب والمعمار والرياضيات مثل ابن سينا والفارابي والخوارزمي والكندي وابن خلدون والإدريسي وابن الهيثم وغيرهم ونقل العالم كله كتبهم ليبنوا بها مجداً لأنفسهم ونظل نحن في الصفوف الأخيرة لا نزال نتحدث ونجادل ونرسم صور سلبية في المجتمع.

لذلك علينا أن ندرك جيداً حقيقة أنفسنا وعيوبها قبل أن نتوجه بعيوب الآخرين فنراقب ضمائرنا في نقل الصورة ونزرع علماً قبل أن ننشر فكراً عقيماً، وسيبقى الصراع بين الكرسي والكتاب هو سرطان يسير في شرايين وطننا بل وأوطاننا العربية وينهش في خلاياه ليحتاج إلى استئصال أو تجديد دماء. للأسف أدرك جيداً أن التعبير قاسي ولكن ليس أقسى من صراع في مجتمع يعيش تحت أنقاضه أشلاء من بقايا الذل والجهل وقلة الحيلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.