شعار قسم مدونات

قصة القرية التي ما عادت تبصر الشمس

مدونات - مصر
(١)

يقال إنه في إحدى الكواكب البعيدة كل البعد عن كوكبنا العامر هذا، و في زمان سالف ليس القرن الواحد والعشرين بالطبع، كانت الشمس وكان القمر يتعاقبان على إشعاع النور مزاحمين الظلام الحالك، ومبددين السواد، وكانت المخلوقات في ذاك الكوكب البعيد ترفل تحت دفء الشمس ونور القمر في سعادة وهناء وضياء. في الصباح تشرق الشمس على الزرع فتقذف فيه النور، فإذا هو ينبت من كل لون زهرة، ومن كل زهرة ثمراً حلواً.

ثم تسير الشمس في السماء حتى تظهر على المحيطات وتنير لصيادي اللؤلؤ الطريق، ثم تسير قدماً فتتخلل بين جلد الإنسان وعظمه، فإذا هو شبّ واستقام عوده فاستطاع أن يطول الشجرة ليلتقط ثمرها ويغوص البحر فيغنم من أصدافه. ثم إذا انتهى بالشمس المسير، وأرهقها الطريق، توقفت على حافة الأفق تودع الكوكب في غروب أحمر مهيب، كأن وجههاً يحمر خجلاً لما تسمع من دعواتهم الصادقة، أو كأنما هي تتقلب على جمر الشوق الأحمر تنتظر الفجر لتشرق من جديد.


حتى إذا نامت الشمس وراء الأفق، ظهر القمر كالسراج المنير، فأضاء للنساك الطريق إلى المساجد، وزادهم على بياض نواصيهم بياضاً، كأنما هم توضئوا بنوره فوق وضوئهم. ثم سار القمر فسلّى المحبين بمرآته الفضية ناصعة البياض، فما عادوا يشكون ألم الفراق ولا أمل اللقاء. كانت النجوم تنتثر حوله كأنما هي غلمان تدور حول سيّدها، تسأل عن حاجته وتخدمه إذا ما أراد أحد التائهين في الصحراء البعيدة معرفة الدرب. حتى إذا أنهك القمر المسير، نام خلف الأفق تاركاً للشمس السماء الرحبة تسبح فيها طولاً وعرضاً من جديد.
 

رفع الناس اللافتات وصرخوا في الشوارع مطالبين بالمساواة بين الشمس والقمر، فأي منطق هذا الذي يفرق بينهما في الطلوع والغروب؟ وأي عدلٍ هذا الذي يحتكر حق هداية الضائعين في الصحاري والقفار على القمر ونجومه؟

(٢)

وفي إحدى الأيام بينما كان الفلاحون يحصدون الثمر، وصيادو اللؤلؤ يصيدون الجواهر، خرج بين الناس أمر غريب عجيب لربما هو ضرب من الجنون أو همزٌ من همزات الشياطين، فما عاد الناس يتأملون الشروق والغروب وهم معجبين بالدقة المتناهية لهذا الكون الفسيح، وما عادوا يهابون للشمس قدرتها على سقاية الأرض بضوئها الذي لا ينضب، وما صاروا يُقدسون إطعامها الرضع من ضوئها ليستقيم عظمهم، وغضبوا أيما غضب لأن الليل أطول من النهار في كثير من الأحيان، فلماذا لا يتساوى طول الليل والنهار؟ ولماذا لا يتساوى حجم الشمس والقمر؟


رفع الناس اللافتات وصرخوا في الشوارع مطالبين بالمساواة بين الشمس والقمر، فأي منطق هذا الذي يفرق بينهما في الطلوع والغروب؟ وأي عدلٍ هذا الذي يحتكر حق هداية الضائعين في الصحاري والقفار على القمر ونجومه؟ فها هي ذي الشمس بخيوطها الضوئية الطويلة لا يعيبها سوى نظرة المجتمع الذي يراها أقل من القمر. ثم وبعد كل هذا، كيف يُعقل أن يغضّ الناس أبصارهم عن جمال الشمس بنظاراتهم الشمسية السوداء، تلك التي لا تتوافق مع مبادئ الحرية ومتطلبات العصر! وماذا لو أحرقت أشعة الشمس أعينهم؟ المهم هو أن يملك كل إنسان حرية النظر إلى جمال الشمس الفاتن دونما حاجز أو حجاب. ثم كيف يظن الناس -زوراً وبهتاناً- أن الشمس إنما غاية فائدتها نمو الزرع وينع الثمر؟ وكيف ينسبون عملاً وضيعاً كسقاية النبات بضوئها ليَطعم من ثمره الجائعون، ولتكون سبباً لاستمرار الحياة على هذا الكوكب. أليست هذه مهنة وضيعة لا تقارن بمهنة القمر ونجومه التي تدل التائهين وتنير لمحيي الليل ظلامهم البهيم؟


(٣)

في جلبة الصراخ، كان النساك يسيرون بلا قمر ينير لهم الطريق، وكان المحبون هائمين كالمجانين بلا أنيس ولا رفيق، كانت أوراق الأشجار تموت ببطء، وكان صيادو اللؤلؤ يغوصون في البحر المظلم بلا هدف، والتائهون في الصحراء يمشون نحو اللا مكان. لم يدر أحد أكانوا جميعاً في نهار أم ليل، فالسماء خالية من كل شيء إلا من ظلام دامس، ومازال الصراخ مستمراً: نريد أن نساوي الشمس بالقمر!

خلف الأفق، كان القمر وكانت الشمس يسبّحان باسم الذي لم يبغ للشمس أن تدرك القمر ولا لليل أن يسبق النهار. كلٌ في فلك يسبَحون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.